الأحد، ٢٣ سبتمبر ٢٠٠٧

الرجل الأشول ـ قصة قصيرة

* قصص من الصعيد
مكتبة مصر 2002





الرجل الأشول
قصة محمود البدوى


حدث فى أعقاب الثورة المصرية سنة 1919 أن خرج جنديان انجليزيان من المعسكر فى مدينة أسيوط .. وسارا على الخيل بين المزارع .. وكان الجو لطيفا فأبعدا فى السير .. ولم يستطيعا مقاومة الرغبة فى الاستكشاف .. فانطلقا بالخيل على الجسر حتى دخلا القرى التى توجد شرق الخزان .. وقابلهما الفلاحون بالهدوء والصمت .

وفى اليوم التالى رآهما الفلاحون مقبلين من بعيد .

وفى اليوم الثالث كانا يعدوان بجواديهما كأنهما فى حلبة السباق .. فنفرت البهائم العائدة من الحقول .. وذعر الغلمان ودهس أحد الجوادين المنطلقين غلاما صغيرا كان يلعب بجوار الترعة .. فقتله ..

وقبل أن يبلغ الجنديان المدينة .. أصابت راكب الجواد الاشهب الذى قتل الغلام رصاصة فسقط على الجسر .

وحوصرت القرية القريبة من مكان الحادث وفتشت وضرب أهلها بالكرابيج ..

ورغم هذا لم يستدل على الفاعل ..

واستمر الحصار وكان والد الغلام القتيل متوفيا فقبض على كل من يمت له بصلة .. ومنع الأهالى من الخروج إلى الحقول بعد الغروب .. واستمر التحقيق اسبوعا بطوله ..

وقرر الطبيب الشرعى أن القتيل أصيب من رصاصة أطلقت من مسافة بعيدة تزيد على مائة متر .. وأن الرامى أصاب سويداء القلب ، وأنه لم يحدث فى حياته كطبيب أن رأى مثل هذا التصويب ..

ورأى المحققون أن القاتل لابد أن يكون مدربا تدريبا متقنا على ضرب النار .. ويرجح أن يكون من عساكر الرديف ..

وقبض على كل عساكر الرديف فى المنطقة .. وقدم من القاهرة جنود بلوك الخفر وعلى رأسهم ضابط مصرى اشتهر فى أيام الثورة بكراهيته الشديدة للمصريين .. وأخذ فى جمع السلاح من كل بيت فى القرية ..

وكان يحلف الرجل على المصحف .. فإذا أخرج ما عنده تركه .. وإذا لم يكن لديه سلاح .. شد الجنود وثاقه وعلقوه فى حديد الشبابيك .. وأخذوا يضربونه ضربا مبرحا .. حتى يغمى عليه .

وبدأ بالأعيان .. وبالرؤوس .. ليكون الاذلال تاما .. وتكومت قطع السلاح .. وظل الأهالى يصرخون من التعذيب حتى قارب الليل منتصفه .. ثم تعشى العساكر وناموا ..

***

وفى الصباح القى الضابط نظرة على قطع السلاح التى جمعها .. وأخذ يجرب بعضها فى ضرب النار .. ثم أخرج مسدسة .. وأخذ يصوب .

وكان يصيب الهدف من كل الأبعاد .. ورسموا له دائرة بحجم القرش فأصابها من مسافة عشرين مترا ..

وأخذ العمدة والأعيان يصوبون مثله .. ولكنهم كانوا يخطئون الهدف فى معظم الحالات .. وأخذت الضابط الحمية فسمح للأهالى بأن يشتركوا فى المباراة .. ولكن لم يبلغ أحد شأوه .. وظل هو المتفوق الذى ليس له ضريب .

وأظهر براعته الخارقة بأن كتب اسمه على الحائط بالرصاص وصفق له الناس .. ورجع بكرسيه إلى الوراء وهو يضحك مزهوا ..

***

ولم يكتف بهذا الانتصار .. بل فكر فى شىء مثير .. فقرر أن يقف أحد الخفراء فى الساحة بجوار حائط " الدوار " وعلى لبدته الحمراء .. بيضة دجاجة !!

ومع كل ما فى المسألة من حماقة لم يستطع أحد أن يفتح فمه ..

ووقف الخفير المسكين .. وطارت البيضة من فوق رأسه وصفق الناس .. وضحك الضابط ..

وقرر أن يخلع الخفير اللبدة وأن توضع البيضة على رأسه وذهل الناس ونظر بعضهم إلى بعض .. ولكن لم يستطع واحد من الجالسين أو الواقفين أن يعارض هذه الرغبة ..

ووضعت البيضة على رأس الخفير المسكين وامتلأت الساحة بالأهالى .. وكتم الناس الأنفاس .

وخيم السكون واستقرت العيون كلها على رأس الخفير .. وكفت القلوب عن الخفقان .. واستعد الضابط ليضرب ضربته .

وفى هذه اللحظة .. انطلق شىء وهو يصفر من فوق رأس الضابط .. وطارت البيضة ..

وتلفت الضابط والناس مذعورين .. ووجدوا رجلا يقف وحده وراء الساحة .. ويمسك بيده اليسرى بندقية قصيرة .

وصاح أحد الواقفين
ـ حسين الاشول ..

وظل الاشول هناك فى مكانه أكثر من دقيقة يرقب القوم فى الساحة بعينى صقر .. ثم وضع البندقية فى كتفه وبارح المكان .

***

وفى ساعة الظهر رأى الضابط من نافذة السيارة .. نفس الرجل الاشول .. يهبط بحمل صغير التل .. وعلى كتفه نفس البندقية .. فوضع الضابط يده على مسدسه .. وأخرجه من جيبه .. وهو يتابع الاشول ببصره .. ومرت لحظة رهيبة .. شعر الضابط بعدها بيده تعيد المسدس إلى مكانه ..

ولما انطلقت السيارة فى أقصى سرعتها وغاب الرجل عن بصره .. كان الضابط يسائل نفسه فى تعجب ..

ـ لماذا لم يقبض على الرجل .. بعد أن تيقن أنه هو الذى قتل الضابط الإنجليزى .. لماذا ..؟ ولماذا حتى لم يجرده من سلاحه ؟

وأشعل سيجارة شعر بعدها بالراحة .
وكانت السيارة قد اقتربت من المحطة ..
===============================
نشرت القصة فى صحيفة الشعب المصرية 19/8/1956 واعيد نشرها فى مجموعة قصص من الصعيد من تقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
================================

سوق السبت ـ قصة قصيرة

* قصص من الصعيد
مكتبة مصر 2002





سوق السبت
قصة محمود البدوى


كان غطاس أحد تجار الأقمشة الذين يذهبون إلى سوق السبت فى قرية رافع .. وهى قرية صغيرة فى قلب الصعيد .. وكان أول من يدخل سوق القرية بحماره الرمادى الأشهب .. وأول من يجلس تحت المظلة الطويلة فى ساحة السوق .. وآخر من يبرح السوق من التجار ..

وما من قروى لم يعرف غطاس أو يتعامل معه .. أو يشترى منه « غزلية » أو ثوب دمور أو جلابية زفير .. وما من قروية لم تشتر منه طرحة أو منديل رأس .. أو جلد الفيل ..

ــ صباح الخير ..
ــ خير عليكى ..
ــ جايباها منين الجلابية دى ..
ــ من عند غطاس ..

وكان غطاس يتردد على سوق السبت منذ سنين .. وهو آمن مطمئن على بضاعته وماله .. لأن القرية آمنة وعمدتها الشيخ مهران .. رجل قوى مرهوب الجانب ..

فما من حادثة قتل أو سطو أو سرقة وقعت فيها وهو عمدة ، وما من حادثة واحدة سجلها دفتر الأحوال فى المركز ..

وكان الفلاحون يذهبون بمواشيهم إلى الحقول ويعودون منها فى ظلام الليل فلا يعترضهم مخلوق .. ويكومون المحاصيل فى الأجران ويتركونها فى حراسة الغلمان .. ولا يجرؤ انسان على الاقتراب منها أو مد يده إليها فالجميع يعيشون فى أمان مطلق ..

وكان الشيخ مهران مع قوته وجبروته تقيا عادلا .. يأخذ من الأقوياء للضعفاء ، ويسوى الأمور بين الناس على أحسن وجه .. وكان الجميع يعتبرونه أبا كبيرا .. حتى قلت المنازعات والخصومات بين الفلاحين أمام القضاء ..

ولذلك روع الناس وذهلوا عندما وجد غطاس مقتولا ذات يوم وهو عائد من السوق ..

وكان الشيخ مهران فى ذلك الوقت مريضا مرضا خطيرا حتى يئس أهله من شفائه وصوتوا عليه فعلا ذات ليلة ..

ولذلك كتم وكيل العمدة عنه الحادث وهو يرتعش من مجرد تصوره ما سيحدث لو علم .

وعلم العمدة أخيرا بالحادث فثار ثورة عنيفة ..
وسأل الشيخ عبد الرازق وكيل العمدة ..
ــ هل عرفت القاتل .. ؟
ــ الولد عبد الموجود .. كان بايت فى المسطاح .. جنب الجسر .. ومر عليه غطاس ..
ــ عبد الموجود لا يجرؤ على قتل فرخة وأنا حى .. يا شيخ الخفر هات لى فطوم ..

وأسرع شيخ الخفر لاحضار فطوم ..

وكانت فطوم أرملة فى العقد السادس من العمر .. تسكن فى شرق البلد فى بيت على الجسر .. ولها ابن وحيد يدعى عليان .. وكان يعمل فى المزارع والنجوع البعيدة .. فى الغرب .. على العدوة الأخرى من النيل .. وكان فاسدا شريرا بدد فدانين تركهما له أبوه على « الغوازى » وفى المواخير فى المدينة ..

ولم تكن أمه فطوم تراه إلا قليلا .. لأنه كان يقضى الليل حيثما اتفق .. وكان مع الجراة الشديدة وحب المغامرة والتسلط ـ وهى الصفات التى ورثها عن أبيه ـ يخشى الشيخ مهران .. ولهذا هجر القرية ..

وكانت فطوم تملك على امتداد بيتها أربعة قراريط تزرعها بنفسها طماطم.. وبامية .. وملوخية .. وفجلا .. وبعض اللفت .. وتسقيها بسهولة من ماء الترعة .. وتعيش من ثمن هذا الخضار قانعة راضية .

وكان أهل القرية يرونها وهى ترفع وجهها إلى السماء ... داعية على ولدها العاق .. وكانت سافرة الوجه جسورة .. لم ينحن ظهرها بعد .. وقد اكتسبت من العمل المتصل فى حقلها الصغير صحة وقوة ..

***

دخلت فطوم على العمدة .. بعد أن وضعت بجانب الباب عصاها الطويلة من الجريد .. وكانت هذه العصا تلازمها دائما .. لأنها تحرس بها الخضار الذى تزرعه من الفروج .. والأوز والبط ..

وقالت وهى تحدق فى العمدة الراقد فى الفراش ..
ــ عوافى يا بو محمد ..
ــ عوافى .. يا فطوم .. لسه برضه قاعدة شديدة يا فطوم ..
ــ الصحة ليك يابو محمد ..
ــ فين عليان .. ؟
ــ ما عرفش يا حضرة العمدة .. لى شهرين ماشفته .. ولا وقع عليه نظرى.. قطيعه .. ربنا يفتكره برحمته .. ويأخذه .. قطيعه تقطعه ..
ــ الخفير اللى على البحر شافه معدى فى العشية ..
ــ أبدا .. يا حضرة العمدة .. أبدا .. واللّه ماجه .. وحياة الشيخ العريان.. وسيدى جلال ..
ــ طب روحى يا فطوم ..
ــ اللّه يخليك لينا .. ويشفيك .. ويوتق حزامك ..
وخرجت فطوم .. واجتازت ساحة الدوار .. ومشت متئدة الخطو رابطة الجاش .. من العرصة إلى الجسر وعصاها الطويلة فى يدها ..

***

ولم يصدق الشيخ مهران ما قالته فطوم .. وظل يبحث عن القاتل .. وبعد بضعة أيام وكان لا يزال مريضا فى فراشه .. سمع بكاء امرأة فى ساحة البيت .. فسأل عنها .. وعرف أنها نرجس زوجة غطاس .. جاءت لتشكو حالها .. وأمر بادخالها عليه .. فدخلت لابسة السواد وخلفها ثلاثة أطفال وعلى صدرها رضيع ..

وقالت وهى تبكى :
ــ جتلك بأولاد غطاس المساكين .. يا حضرة العمدة .. مين يوكلهم كلهم .. ودم أبوهم راح هدر .. ؟؟

ونظر الشيخ مهران إلى الأطفال اليتامى .. وتأثر وأخذ منه الحزن .. وقال لنرجس وهو يعطيها بعض النقود :
ــ خدى .. وروحى .. يا نرجس .. وانا عارف اللى علىّ ..
ــ دا كان بيجى السوق على حسك .. من عشرين سنة ما انسرقتش معزاية من بلدك ..
ــ روحى .. يا نرجس ..
ــ ربنا يبارك فيك .. ويشفيك ..

وخرجت نرجس تجر أطفالها ..

***

وبعد أيام قليلة عرف الشيخ مهران القاتل .. ولم يكن غير عليان الذى خطر بباله لأول وهلة .. وعرف الشيخ مهران أن عليان بعد أن قتل غطاس وسرق الثلاثين جنيها التى كانت معه فى جيبه .. ألقى كيس القماش فى النيل.. وذهب إلى صاحب له فى النجع ..

وظل الشيخ مهران وهو فى فراشه يتقصى أخبار عليان حتى علم ذات ليلة أنه عبر النيل فى غبش الظلام ومعه بندقيتة وذهب من شروق البلد إلى أمه.. فأرسل الخفراء ليطوقوا البيت ..

وقال لشيخ الخفر :
ــ عاوزه .. حى ..

وبعد قليل علم الشيخ مهران أن عليان أحس بالخفراء قبل محاصرة بيته .. وهرب كالثعلب ..

وخشى الشيخ مهران أن يفلت منه القاتل إلى الأبد .. فتحرك من الفراش وهو ينضح عرقا .. وتناول بندقيته وخرج من بيته .. ولما رآه خفير الدرك جرى وراءه ليرافقه ..

فقال له الشيخ مهران :
ــ خليك يا عباس .. وخذ بالك من النقطة .. وقل لشيخ الخفر أن رجع فاضى .. يطوق جنينة عبد الكريم .. يمكن الولد فيها ..

وسار الشيخ مهران على الجسر وحده .. وكانت مياه الفيضان تغمر الأرض كلها والظلام رهيبا .. وكان الرجل مع مرضه يمشى قويا وقد جمع حواسه كلها فى باصرته .. وكان قد لبس رداءًا خفيفا أسود .. وتلثم .. وتمنطق بحزام وضع فيه أكثر من مائة طلقة .. فإنه يعرف جيدا الرجل الذى يطارده ..

وكان يفكر فى الأرملة المسكينة نرجس وأطفالها .. والظلام الذى شملهم والبؤس الذى تردوا فيه .. والجوع الذى ينتظرهم دون جريرة أو ذنب جنوه فى الحياة ..

وكان يغلى غيظا لمجرد تصوره أن عليان هذا الشرير .. سيفلت منه دون أن ينال القصاص .. كان يريد أن يجتث الشر من جذوره .. وتحت تأثير هذا وهو مريض .. وسار وقد شعر بقوة خارقة تدفعه إلى التقدم .

وبعد ساعتين عثر على عليان فى ماكينة رى .. وأدرك الشيخ مهران بعد الرصاصات الأولى التى أطلقاها .. أن المجرم منبطح على سطح الماكينة ويحتمى بصهريج المياه والاقتراب منه فى هذه الحالة انتحار مؤكد .. فدار يتلصص ويخوض فى القنوات .. حتى تسلق مرتفعا يشرف على بناء الماكينة .. وأطلق الرصاص .. وتصارع الرجلان صراع الجبابرة ..

وأدرك عليان من أول رصاصة أطلقت أنها ليست بندقية شيخ الخفراء ولا بندقية خفير .. وأن الذى أمامه رجلا آخر .. رجلا كان يخشاه أكثر من الموت .. ويتصور أنه لن يترك الفراش أبدا .. وأنه راقد هناك .. ولكنه تحرك وجاء ليطارده .. وصوت بندقيته يدوى وقد خرج إليه وحده .. وليس معه خفير واحد .. لا ليقبض عليه وانما ليفعل شيئا آخر ..

وثار عليان وأطلق الرصاص فى جنون .. ولكن الشيخ مهران أسكته إلى الأبد .. فخر فى معجنة للطوب صريعا ..

***

ورجع الشيخ مهران يمشى على الجسر وحده وقد سكن الليل وعاد السكون يلف كل شىء ..

وخرجت القرية كلها على صوت الرصاص تستطلع الخبر .. وعلموا أن العمدة المريض .. خرج وحده فى الليل .. وقتل عليان ..

وسار الشيخ مهران على الجسر .. وخلفه الفلاحون يباركونه .. وقبل أن يدخل مدخل القرية صوبت إليه رصاصة .. وسقط ..

***

ورأى الناس فطوم .. واقفة على سطح بيتها وبيدها بندقية .. وكانت منتصبة القامة .. شامخة الأنف .. وكان منظرها وهى واقفة يلقى الرعب فيمن حولها .. فلم يجرؤ انسان على الاقتراب منها ..

===============================
نشرت القصة فى مجلة الثورة 9/9/1954 وبمجوعة قصص لمحمود البدوى " العذراء والليل " وأعيد نشرها فى مجموعة " قصص من الصعيد " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
================================

حارس القرية ـ قصة قصيرة

* قصص من الصعيد
مكتبة مصر 2002





حارس القرية
قصة محمود البدوى


عرفت الشيخ عبد المطلب وأنا صبى العب فى الأجران .. فقد كان حارس أجران القرية .. وأحب الناس إلى قلوب أبنائها .. وإلى قلوب الصغار منا على الأخص .

ولم يكن الشيخ عبد المطلب حارس أجران القرية وحدها بل كان حارس القرية كلها فى الواقع .

كانت الأجران تقع فى شرق القرية وتكون دائرة واسعة فى " العرصة " وكان بجوارها جسر القرية الوحيد .. ومنه يدخل الناس إلى القرية ويخرجون منها .. وكان " خص " الشيخ عبد المطلب فى قلب الأجران .. وكان يشرف على الأجران والجسر معا .

وقد كان الرجل واسع الحلم طيب القلب .. فقد كان يتركنا على هوانا نمرح ونلعب فى " العرصة " ونصعد الأجران العالية وننحدر منها .. ونجرى كقطار الصعيد ونصيح ونعوى كالذئاب ..! وهو منصرف إلى عبادته .. لايرفع رأسه عن كتاب الله ، ولايسمعنا كلمة نابية .. بل كان ينظر إلينا ويبتسم فى عطف ورقة بالغين .

ثم شببت عن الطوق ، وتركت القرية لأتعلم فى المدينة .. وفى عطلة الدراسة الصيفية كنت أعود إلى القرية ، لأعمل مع إخوتى فى الحقول .

انقطعت عن اللعب فى الأجران ، ولكننى كنت أرى " خص " الشيخ عبد المطلب كل صباح ومساء قائما وسط البرية كأنه منارة تهدى السفن فى ظلام الليل .

ولما كنت أحب القراءة .. وكان الشيخ عبد المطلب هو القروى الوحيد الذى أجد عنده مجموعة نادرة من كتب التاريخ والسيرة فقد كنت أذهب إليه لآخذ منه بعض الكتب .. وكنت أنتقى منها كتب السيرة على الأخص فقد كانت تأخذ بلبى .

وكنت أنتهز فرصة الصيف عندما ننتهى من حصد القمح فأجد متسعا من الوقت للقراءة فى هذا الفراغ الكبير من السنة فلم نكن نزرع القطن فى تلك المنطقة من الصعيد ، ولهذا كنا نمضى الكثير من أيام الصيف فى فراغ ممل ..

ثم زحفت آلات الرى الحديثة إلى هذه المنطقة وتغير الحال ، وأصبح الفلاحون يزرعون القطن والأذرة ويعملون طول السنة .

وقد كانت أحب الساعات إلى نفسى هى التى أفرغ فيها من العمل ، وأجلس فى " خص " الشيخ عبد المطلب لأطالع وأتحدث معه ..

كان قليل الكلام ، كثير التعبد ، نقيا ، تقيا .. وكان يحرس الأجران كلها وحده ويلعب حوله الأطفال من اصفرار الشمس إلى ما بعد الغروب .. ثم يتركونه إلى بيوتهم .. ويظل الرجل فى مكانه من الخص ساهرا إلى الصباح .

ولم يكن مسلحا ، ولا يخيف أحدا بهراوة أو عصا .. بل كان كل ما يملكه قلبه الكبير ، وروحانيته الجارفة التى يواجه بها الليل وحده فى تلك المنطقة المرعبة من الصعيد .

وكنت أراه وحده وأنا سائر على الجسر ، وعينه إلى الشرق .. لايعبأ مما يجرى حوله ولا يخاف ولايرهب أحدا .. فأدرك عظمة الإيمان فى النفوس وأدرك سر قوته .

وكنت إذا شعرت بالعطش وأنا عائد من الحقل أنزل عن الجسر ، وأتجه إلى " العرصة " لأشرب من " زير " الشيخ عبد المطلب . . وكان قائما بجوار الخص .

فإذا شربت وأحس بى .. أشار إلىّ بسبابته يدعونى إليه فأعرف أنه يتعبد ، وأقترب منه فى سكون ، وأجلس بجواره على القـش .. وأرقـب شفتيـه وهمـا تتمتمان فى صوت خافت ..

وأرى وجهه المشرق فى الظلام وهالة النور على غرته .. وخطوط الزمن على جبينه .. والبريق الساطع فى عينيه .. ولحيته الكثة تدور على عارضيه ، وتقى وجهه وهج الشمس ، ولفح الرمضاء .

فإذا فرغ من عبادته سألنى عما عملته فى الحقل .. ثم عاد إلى صمته وتأمله .

وكانت الكلاب تنبح فى الحقول وفى القرية .. والرصاص يدوى فى أذن الليل .. وكنت وأنا جالس معه أرى أشباحا سوداء تتحرك بعيدا .. بعيدا على شط النيل .. فأرقبها بعين ساهرة . أما الشيخ عبد المطلب فما كان يحفل بشىء من هذا كله .. كان يرسل بصره إلى أقصى الأجران ثم يرتد به .. ويعود إلى سكونه وصمته .

وكنت أنظر إلى عينيه الساكنتين .. وجبينه الوضاء ، ونظرته الشاردة إلى السماء .. وأتأمل وأفكر .. ان هذا الرجل قد نفض يده من نعيم الحياة وملذاتها .. وعاش فى عالم كونه بنفسه لنفسه .. ولقد فهم سر الحياة وعرف معنى السعادة ، ولقد استخلص من الحياة زبدتها .. ووصل إلى أعمق أسرارها ولقد مرت عليه وهو جالس فى مكانه من الخص ألوان مختلفة من الحياة والناس .. وهو باق على حاله لم يتغير ..

لقد ذهب من هذه القرية أناس إلى المدينة ، وعاشوا فيها يقامرون ، يشربون ويصخبون فى المواخير وسقط منهم من سقط فى الأوحال .. وذهب منهم من ذهب إلى غير رجعه وعاد منهم من عاد يرتدى القبعة ويدخن فى الغليون بعد أن عبر البحار !

ولكن الشيخ عبد المطلب باق على حاله لم يغير جبته ، ولم يغير مكانه من الخص .. ولم يتغير له طعام ولاشراب منذ نصف قرن من الزمان .. إنه الصورة الخالدة للفلاح المصرى الجبار الذى صارع القرون ، وكافح الاستبداد والظلم والجبروت مدى قرون وقرون من الزمان .. ذاق مرارة الحرمان فى كل عصور التاريخ حتى فى عصر النور .. ومع هذا فإن جبهة الشيخ عبد المطلب لم تتعفر بالتراب قط وما حنى رأسه لمخلوق !!

وكان على مدى البصر منه تتلألأ مدينة أسيوط بأنوارها الساطعة .. ويسطع نور " الخزان " من بعيد .. كانت المدنية تزحف هناك حيث العلم والثراء العريض .. وحيث الكهرباء والسيارات الفخمة والقصور الشامخة وتقف هنا حيث الظلام والفقر والجهالة المطبقة والأكواخ الحقيرة .

كان الظلام الكثيف يخيم .. وكانت أشجار النخيل تحتضن بيوت القرية وتطوقها من الشرق والغرب بسياج طويل من جذوعها .. وكانت الترعة تشق القرية نصفين .. وكان هذا الخط الأبيض من الماء يزحف بين البساتين كما يزحف الثعبان فى الظلام .. وكان الجسر يجاور الترعة ويكون حاجزا منيعا وقت الفيضان وعلى هذا الجسر قام خط المدنية الأول الزاحف إلى هذه القرية الصغيرة .. عمود التليفون الخارج من المركز إلى بيت العمدة .. وهو البيت الأبيض الوحيد فى القرية .

وكانت القرية جمعاء تغط فى سبات عميق .. ويظل الشيخ عبد المطلب وحده ساهرا فى الخص يحرس الأجران ، ويحرس القرية جمعاء .. فما من أحد يستطيع أن يسير على الجسر ، وهو منفذ القرية الوحيد ، دون أن يبصره الشيخ عبد المطلب .. وعندما يشعشع النور ، ويفرغ من صلاته ويفرش زكيبة .. ينام إلى الضحى .. غافلا عن كل ما حوله وتاركا كل شىء لله .

وكنت أجلس فى ظل الخص ساعة الأصيل .. وأرى عن قرب هؤلاء الفلاحين المساكين ، وهم شبه عراة حفاة يعزقون الأرض ويسقون الزرع وقد التصقوا بالأرض ومالهم عنها من فكاك ..

كانوا يعملون من مطلع الشمس إلى الغروب وأجسامهم تنضح عرقا ، وأرجلهم تغوص فى الوحل .. وما يطمع الواحد منهم بعد هذا الجهد كله فى أكثر من رغيف من الخبز الأسود وقطعة من الجبن .

ولقد خالطت هؤلاء الناس وعاشرتهم ، وحملت معهم الفأس فى قلب الحقول .. وما وجدت فيهم شاكيا ولا متبرما .. إنهم يعملون فى صبر عجيب ، وقد نفضوا أيديهم من كل رحمة تأتيهم من الأرض ، أو من السماء .. وهم يعيشون فى حذر وتوجس وريبة ، ولا يثقون بإنسان .. ويتصورون أن الكل يعمل على تحطيمهم ..

ويظل الفلاح ناصبا قامته للشمس حتى يسقط من الاعياء والجوع .. وهنا يطلب الرحمة من الموتى بعد أن يئس من الأحياء .. فيفزع إلى الأضرحة وقباب أولياء الله الصالحين .

وكانت مرساة القرية على مسافة قليلة من " العرصة " وفيها رست بعض المراكب .. وكنت وأنا جالس فى الخص ساعة الظهيرة أستمع إلى طرقات العمال الرتيبة فى هذه المراكب .. كانوا يصلحونها قبل الفيضان .. وكانوا يعملون فى جهد متواصل .. كان كل من حولى يعمل ويدور كالطاحون .. وكنت الوحيد بالقياس إلى الآخرين الذى يجد عنده وقتا للتنفس والتأمل .

وكنت أتمنى لو أعطانى الله بعض هذه القوة الجبارة ، لأحمل هذه الكتل العريضة من الخشب من اليابسة إلى الماء ، كما يفعل هؤلاء الملاحون .

كنت أجد أنا والشيخ عبد المطلب أنيسا فى عملهم المتواصل ومطارقهم التى لاتنتهى من الصباح إلى المساء .. كانوا يغنون طول النهار فإذا هبط المساء انحدروا إلى النيل وغسلوا ما علق بهم من زيت ونفط .. ثم لبسوا ثيابا زاهية ، وصعدوا فى الطريق إلى القرية .. فإذا اقتربوا منا حيونا فى بشر ومرح .. لاشك أنهم سعداء .

كان السكون الثقيل الشامل يخيم بعد ذلك .. وكنا نرى قلوع هذه المراكب تلمع من حين إلى حين فى جوف الليل الحالك .

***

وفى ليلة من الليالى خرجت من القرية قاصدا المزرعة .. فقد كنا نسقى حقل ذرة لنا ، وكان علىّ أن أسهر مع الفلاحين إلى الصباح حتى نفرغ من الحقل كله .. ومررت فى الطريق على الشيخ عبد المطلب لأشرب معه القهوة وأصلى العشاء .. إلى أن يطلع القمر .. فلم يكن من السهل على شاب مثلى أن يسير وحده فى الظلام ساعة زمانية حتى يبلغ المزرعة .

جلست بجوار الشيخ أمام الخص .. وكان الظلام دامسا .. والكلاب تنبح ، وفروع النخيل تتمايل .. والضفادع تنقنق هناك على شط النيل .

ولمحت شبحا يسير على الجسر ، وكان يمشى على مهل ، ولم يكن أكثر من سواد يتحرك فى جوف سواد .. ولما أصبح فى محاذاتنا انحدر عن الجسر ، ومضى فى طريق الأجران حتى اقترب من موضع الماء ، فوقف هناك هنيهة وهو يلهث كالمتوجس من شىء .. ثم دفع " الكوز " فى جوف " الزير " وسمع له صوت مصلصل فى هذا السكون الثقيل الشامل ، ورفع الإناء إلى شفتيه وشرب .. وتنفس .. ودار على عقبيه وتقدم من حيث أتى فى الطريق صعدا ..

وهنا صحت :
ـ من هناك ..؟
فتوقف عن السير ، وحول وجهه إلينا وظل صامتا برهة
ـ نعمان ..

قال هذا واتجه نحونا .. وكان الشيخ يفرك بعض حبات القمح بين يديه ، فلما اقترب منه نعمان ، أشار إليه ليجلس فجلس أمامه .

وكان نعمان يرتدى جلبابا أسمر ، وعلى رأسه لبدة من الصوف الأسمر كذلك ، وفى يده بندقية من أحسن طراز .. وكان شابا قوى الجسم فارع الطول حديد البصر قوى القلب ، وكان من رجال الليل فى هذه المنطقة ومن فتاكها ، وكان اسمه يتردد بعد كل حادث قتل أو سطو يقع فى هذا الإقليم ، ومع كل ما كان عليه هذا الرجل من شر وجبروت فإنه جلس أمام الشيخ عبد المطلب ، خاشعا منكس الرأس .

ونظر إليه الشيخ وسأله :
ـ إلى أين يا نعمان ..؟
ـ إلى حيث تسوقنى الأقدار .. يا عمى الشيخ ..

وخيم صمت ثقيل علينا ثلاثتنا .. وكان الشيخ يحدق فى وجه نعمان وينظر إلىّ .. ويقرأ أفكارنا ، ولكنه لايقول شيئا ، ونظرت إلى نعمان ، وعدت أتذكر أيام صباى فى القرية .. أيام كنت أصطاد السمك ، وأتسلق النخيل ، وأركب الجمال فى البرارى ، وكان رفيقى فى ذلك كله نعمان هذا بلحمه ودمه ، ولقد كان فى صباه رقيقا وادعا كالحمل ، ولكنه الآن أصبح رجلا آخر .

كان فى صباه يصطاد العصافير ، أما اليوم فهو يصطاد الرجال ، ومن الذى فعل به هذا ؟ أطرقت وفكرت ..

إن نعمان سرق فى صباه ليأكل .. وهو الآن يسرق للسرقة فى ذاتها ، انها لذته الكبرى ، وهو يغشى المدينة ويذهب إلى مراقصها ويرمى بكل ما معه من نقود تحت أقدام الراقصات .. ويشرب .. ويلعن شياطين الأرض .. وإذا مرت عليه ليلة ولم يطلق فيها رصاصة ، ولم يملأ خياشيمه برائحة البارود جن وطار صوابه !
هذا هو نعمان الجالس معنا الآن ..

قال لى الشيخ :
ـ اعمل لنا قهوة يا بنى ..
فتناولت عود ثقاب من نعمان ، وأشعلت النار فى الدريس .. وأخذت أحدق فى وجهه من خلال النار .. كان صارم النظرة قاسى الملامح .. وكان يخط بكعب بندقيته فى الأرض .

وشربنا القهوة ، وأخذ الشيخ عبد المطلب يحدثنا حتى أذن العشاء فنهض وهو يقول :
ـ قم يا نعمان إلى الماء فتوضأ وتعال لتصل معنا ..
فأطرق نعمان وبقى فى مكانه .

فأعاد الشيخ :
ـ قم يا نعمان ..
وكأنما كان صوته نذيرا من السماء ..

وصليت وراء الشيخ .. وبقى نعمان فى مجلسه .. تتساقط حبات العرق البارد على وجهه .. وما رأيته مصفرا أغبر السحنة كما كان فى هذه الساعة .

وتناول نعمان بندقيته ونهض ..
فقلت له :
ـ سأمشى معك حتى المزرعة ..
فنظر إلىّ الشيخ وقال بصوت هادىء :
ـ خليك أنت .. إلى أن يطلع القمر ..

وأذعنت لأمره ، ومضى نعمان .. وابتلعه الظلام .. وبعد قليل سمعنا الرصاص يدمدم ..
فقلت للشيخ :
ـ إنه نعمان ..
ـ أجل إنه هو ..
ومضت فترة صمت ..
وسألته :
ـ أتظنه قتل ..؟
ـ لن تراه مرة أخرى ..

وأخذ الشيخ يتعبد .. فصمت .. وأخذت أفكر فى هذا الحادث ، وأتعجب من قوله :
" خليك أنت إلى أن يطلع القمر "

ترى هل كان الشيخ يقرأ الغيب ..؟

وسهرت ذات ليلة مع الشيخ عبد المطلب إلى الهزيع الثانى من الليل .. وكان الفيضان قد بكر والنيل شديدا .. وكان أهالى البلدة يخشون على زراعة الأذرة التى فى الأراضى الواطئة من الغرق ، فأقاموا حولها جسرا قويا ..

وكان النيل يجرى على قرب منا جياشا قويا .. والخزان يهدر فى جوف الليل .. والسكون عميقا شاملا .. حتى الكلاب فى القرية هجعت ، وكفت عن النباح ..

وسمع الشيخ وهو جالس صوتا أشبه بصوت الماء فى السد .. فنهض ومد بصره .. ولم يستطع أن يبصر شيئا .

ولكنه سمع خرير الماء أكثر وضوحا ..

فجرينا مسرعين نحو السد .. ولما بلغناه رأينا الماء قد فتح فجوة فيه وانحدر منه إلى المزارع متدفقا قويا ، وذعر الشيخ .. فلو انهار السد ستغرق مزارع برمتها وهى لصغار الفلاحين المساكين .. وقد يتطور الحال وتغرق بعض منازل القرية ..

أسرع الشيخ وحمل حزمة من " البوص " وألقى بها فى الفجوة وفعلت مثله .. وجرفنا إليها التراب ، واحتبس الماء بعض الوقت ولكنه عاد بعد قليل إلى ما كان عليه واشتد .. ووضعنا حزما أخرى بين عروق الخشب القائمة فى السد ، وحملنا إليها أكواما من الطين ، ولكن جهودنا كلها كانت عبثا فقد كان الماء قويا ، يجرف كل شىء فى طريقه ، وكانت الفجوة تتسع بعد كل لحظة وأخرى ..

وعرف الرجل مقدار الخطر الذى سيحل بالقرية .
فقال لى :
ـ أسرع إلى القرية .. وهات النجدة ..
وجريت مسرعا .. وكنت أسمع وأنا أعدو صراخ الشيخ عبد المطلب فى جوف الليل الساكن .

***

ولما عدت بالرجال .. كان الماء يتدفق كالسيل .. وكان جزء من السد قد انهار ..

ووجدت الشيخ عبد المطلب راقدا هناك دون حراك تحت عروق الخشب عند الجزء المنهار ..

فأدركنا أنه رقد بجسمه فى الفجوة ليحبس الماء إلى أن يحضر الفلاحون .. ولكن الماء كان قويا فانهار به السد وسقط فوقه ..

كان وجهه ساكنا .. وعلى شفتيه ابتسامة من فرغ من عمل عظيم ..
================================
نشرت فى مجموعة العربة الأخيرة لمحمود البدوى عام 1948
================================

زهور ذابلة ـ قصة قصيرة

* قصص من الصعيد
مكتبة مصر 2002





زهور ذابلة
قصة محمود البدوى


غادرنا الجيزة تلك المدينة الفقيرة الكئيبة ، وانحرفت بنا السيارة فى طريق طويل على جانبيه الشجر ..

وكانت الشمس قد مالت إلى المغيب وبدت المزارع والجداول ومن ورائها الأهرامات .. أشد شىء أخذًا فى تلك الساعة من النهار ..

وكانت السيارة من سيارات نقل الموتى .. كانت طويلة وأنيقة ومن أحسن طراز .. وكانت مقسمة إلى ثلاثة أقسام .. القسم الأمامى منها للسائق، والخلفى للميت ، والوسط لأهل الميت ، وفى هذا المكان جلست وحيدًا مكروبا ، وعيناى سابحة فى الأفق ..

وكانت الجلسة فى السيارة مريحة ، ولكن أعصابى كانت متوترة ، وكنت أشعر بضعف جسمانى شديد ، فلقد مرت علىّ أيام ثلاثة لم أذق فيها النوم إلا قليلا ..

كنت أحمل العبء وحدى .. ولقد بذلت كل ما فى وسعى ، وبذل معى الأطباء لننقذ أحمد ، ولكن نفذ القضاء ، وذهبت جهودنا كلها هباء ..

انتهى فى الساعة الرابعة من الصباح ، ولم ينبس بكلمة ، وكنت بعيدًا عنه .. وجئت لزيارته فى الصباح ، ومعى باقة من الورد وزجاجة من العطر ، وكان يحب الورود والرياحين .. ودخلت غرفته على أطراف أصابعى كعادتى .. ولكننى وجدت سريره خاليًا .. فأدركت أن كل شىء قد انتهى ..

وسمعت من يقول :
ـ حدث له نزيف داخلى ..

وهكذا انتهى وهو أشد ما يكون شبابًا وفتوة ، انتهى فى الساعة التى بدأت فيها الحياة تبسم له بعد طول عبوس ، وتتطلع عيناه إلى الحياة السعيدة بعد طول جهاد وعناء وكد .

ولقد أخذ فى أيامه الأخيرة يكثر من الكلام ، على الرغم من طبيعة الصمت التى لازمته وكان يقول لى :

« إن المرء لا يعرف قيمة الحياة إلا إذا رقد على هذا السرير .. إن هذه الرقدة تكرهك على التفكير .. والتفكير فى الأشياء التى لم تكن تخطر لك على بال .. والمرء بعد المرض يزداد صلابة وقوة وعزما ، وتعمق نظرته للحياة ، ويصل به التأمل إلى أعمق أعماقها ، لقد كنت أفزع من وخزة دبوس .. وأنتفض فرقًا من لا شىء .. فلما رأيت هؤلاء المرضى الأبطال الذين يتعذبون فى صبر وصمت ، أدركت نعمة الصبر التى تنزل على الإنسان فى محنته .. وأخذت أخجل من نفسى عندما كنت أتألم من لا شىء كطفل صغير .. والألم يصهر النفس ويخلصها من الأدران ، وأنت لا تعرف نعمة النفس المطمئنة إلا إذا رقدت هذه الرقدة .. هنا تصفو نفسك من الشهوات وتدرك أن كل شىء باطل .. كل شىء زائل .. نفس يخرج ولا يرتد ثم ينتهى كل شىء .. إنه حقًّا شىء مروع ، ولكن لا بد أن ينتهى بنا المصير إلى هذا ...... » .

وتحولت بعد هذه الخواطر إلى المروج المحيطة بنا ، وكانت السيارة تخطف خطفًا .. والغسق يزحف والنهار يولى ..

ما أعجب الحياة .. وما أعجب الموت .. نفس واحد يخرج ولا يرتد ثم ينتهى كل شىء ... هكذا ... أخذت أدير كلام صاحبى فى رأسى وأذكر الصور التى مرت علىَّ فى المستشفى ..

كان هناك رجل فى الغرفة المجاورة لغرفته .. وكنت أرى هذا الرجل كلما ذهبت لزيارة أحمد ، وفى أصيل يوم كان باب غرفته مفتوحًا ، وكان الرجل راقدًا فى سريره ، وعلى رأسه ابنته .. وكان يتحدث إليها بصوت عال ، وهو مفتر الثغر طروب .. وبعد دقائق قليلة سمعت حركة فى غرفته ، ودخل الطبيب وبعده الممرضة ، وخرجت الممرضة وفى يدها حقنة فارغة .. ! وبعد لحظات عاد السكون إلى الغرفة .. وانتهى ميعاد الزيارة .. وفى طريقى إلى الخارج سمعت الفتاة تبكى .. وتلفت .. وتقدمت نحو غرفة الرجل .. فوجدته على حاله كما رأيته من قبل ولكنه لم يكن يتنفس..!

وكانت السيارة تتمهل قليلا ، وهى تجتاز بعض القرى .. وكان القرويون يتطلعون إلى السيارة ، فإذا أدركوا أنها من سيارات نقل الموتى ، ذكروا الله وترحموا على الميت .. ولقد رأيت فى هذه الوجوه من العواطف الإنسانية ما جعلنى أنسى كل ما لقيته فى المستشفى من عناء ونصب .

إن العاملين فى هذه المستشفيات قد تجردوا ، كما خيل إلىَّ ، من كل عاطفة بشرية .. يستوى فى ذلك الطبيب المتعلم والممرض الجاهل .. والسرير عندهم أغلى من الراقد عليه ، وهم ينقلون الميت من سريره إلى غرفة الموتى ، ويتنفسون الصعداء ، وكأنهم يرمون بكلب أجرب إلى الطريق ..

إنها الحياة فى تلك المستشفيات ، الحياة التى لا تعرف الرحمة ، الحياة التى تسحق الضعيف والفقير سحقا ..

***

وقفنا عند مقهى صغير فى الطريق ، ونزل السائق ليشرب الشاى .. فهو وإن كان فى شرخ شبابه وريعان صباه ؛ ولكنه سيسهر طول الليل .. وسيقود السيارة فى تلك الظلمة الشديدة اثنتى عشرة ساعة وقد تزيد ..

وعاد إلى السيارة وقد عصب رأسه واستعد لليل .. وكان هادئًا قوى الأعصاب قليل الكلام .. ولعله تعود ذلك بحكم عمله .. وكان ينهب الأرض نهبا وكأنما يسير بالسيارة على بساط معلوم .. وقد استرحت إلى صوت السيارة وحسها فى الطريق ..

وأرسلت عينى إلى الليل الساكن ، وإلى الريف الحزين ، وكنت شبه نائم ، واسترحت إلى هذا السكون ، وإلى نسيم الليل ، وإلى الوحشة الشديدة .. فما اعترضتنا سيارة ، ولا رأينا ظل شبح فى الطريق..

كان الطريق مقفرًا ، والليل رهيبًا موحشا ، وكل شىء يبعث على السكون ، إنها سيارة الموتى وكل شىء ميت فى الطريق ..

وكنت أستفيق من ذهولى على صوت جندى المرور فى النقط ، وما أكثر هذه النقط فى الطريق .. كان يعترض السيارة وبيده فانوسه الأحمر :
ـ كل شىء تمام يا أسطى .. ؟
ـ كل شىء تمام يا أفندم ..!
وتحركت السيارة ..

***

وأغمضت عينى .. وكنت أود لو أنام كما ينام قريبى فى الجزء الخلفى من العربة ..

ولعلى غفوت .. فقد تنبهت على حركة السيارة وهى تقف عند نقطة من نقط المرور .. وكان هذا الجندى فارعا ، أسود كالليل .. ودار حول العربة ، ورفع مصباحه فى وجه السائق ، وطلب التصريح .. ثم قرأه .. وطواه ورده إليه .. ودار حول العربة مرة أخرى .. ! وفتح الطريق فى تثاقل ..

وتحركت السيارة ، وسمع السائق من يهتف به فلم يتوقف ، فأشرت عليه بالوقوف .. فوقف .. وسمعنا من يقول :
ـ من فضلك خذ هذه الست معك إلى سمالوط ..

وكان رجلا من الفلاحين .. وخلفه امرأة على رأسها متاعها .. ولم يرد عليه السائق وظل صامتا .. ولما اقترب الرجل من العربة ، وأدرك أنها من عربات الموتى .. أظهر أسفه وهم بالانصراف ..
فقلت للسائق :
ـ خذها بجوارك ..
وركبت المرأة .. وانطلقت بنا السيارة ..

***

وكانت المرأة جالسة فى الركن الأيمن من المقعد .. أمامى .. وكانت صامتة ، ولم أستطع أن أتبين من جلستها سوى أنها طويلة القامة .. وكانت طرحتها السوداء تغطى رأسها وعنقها ومنكبيها .. وكان النور فى المقعد كابيا.. وجلستها معتدلة ، فلم أستطع أن أقرأ صفحة وجهها ..

وكان السائق قبل أن تجى المرأة قليل التدخين .. فلما ركبت بجواره أشعل سجائر كثيرة .. وبدت على يديه دلائل التوتر .. وابتدأ يتكلم ..! ورأيته ينظر إليها نظرة جانبية سريعة ثم عاد إلى الطريق .. واجتزنا قنطرة ، ثم مررنا على جسر من الجسور فسار عليه مسرعًا ، وأدركنا بعد مسير أكثر من عشرة أميال أننا ضللنا الطريق ، فارتد وعلى وجهه دلائل الغضب .. ولما بلغنا قرية من القرى توقف ، وأمر المرأة بالنزول ..
فسألته :
ـ لماذا .. ؟
ـ أنا سائق لعربة الموتى يا سيدى ولا أحب أن تجلس نساء بجوارى .. !
ـ ولكن أين تذهب هذه المسكينة فى هذا الليل .. ؟ .
ـ وراءنا سيارات كثيرة .. . وهذه ليست عربة للركاب ..

قلت له أخيرًا :
ـ دعها تركب بجوارى ..

ففتح لها باب المقعد من الناحية اليسرى .. وصعدت المرأة وهى صامتة وتحركت السيارة ..

***

وجلست المسكينة منزوية فى العربة ، وقد غطت وجهها كله ، واتجهت إلى النافذة المفتوحة .. وبدا لى أن أرفه عن نفسها لما نالها من كلام السائق ..
فسألتها :
ـ أنت من سمالوط .. ؟
ـ لا .. يا سيدى .. أنا رايحة لأختى عند نخلة أفندى ..

قالت هذا فى صوت ناعم ، وفى سذاجة أزاحت الهم عن صدرى .. وجعلتنى آنس بها ، وأكثر من الحديث معها ..
وأدركت وأنا أتحدث مع هذه المرأة ، لماذا يجتمع الناس فى الجنازة ويعزون أهل الميت .. ؟ فقد تحملت ثقل الحزن وحدى ، ولم أجد فى المستشفى صديقا ولا رفيقا بل حانوتية فى كل مكان .. يساوموننى على نقل قريبى كأننى سأشحن بضاعة إلى السوق ..

ولما سألتنى عن أحمد وعرفت أننى أحمله إلى أبيه وأخته ، وهى فى مثل سنها اخضلت عيناها بالدمع .. فأغرورقت عيناى .. ووددت لو أمسح بيدى على ذراع هذه المرأة وألمس خديها .. ثم أدفن صدرى فى صدرها وأبكى ..

وتراجعت إلى الخلف ، ورأيت وجهها لأول مرة ، وهى تنظر إلىَّ فى سكون وحزن .. كانت جميلة وصغيرة .. وقد بدا يعصرها الفقر .. حزن بارز على الشفة ، وجوع واضح على الخدين ، ووجه لوحته الشمس فى الحقل أو فى الطريق .. لم أكن أدرى ..

كانت تنظر إلىّ بعينين ذابلتين .. وتحاول أن تصل بهما إلى أطواء نفسى ، ولكننى وجدت نفسى مرة أخرى أغيب عنها ، وأرسل البصر إلى الليل ..

وأخذت أرقب النجوم وأفكر .. إننى الآن فى عربة .. وبجوارى فتاة ريفية فى مثل جمال الفجر .. وهى تنظر إلىّ ، وقد يكون فى نظرتها اشتهاء .. ولكننى بعيد عنها ، وإن كنت أقرب شىء إليها .. بعيد عنها بجسمى ونفسى أفكر فى الموت .. وما بعد الموت .. والزهور الذابلة فى الحديقة .. والأوراق التى تتساقط من الشجر .. وأحمد الذى بينى وبينه نافذة زجاجية صغيرة .. فإذا فتحتها ، ربما طالعتنى رائحة كريهة ، عفن الموتى .. ما أعجب الحياة .. الشاب الذى كنت أحادثه بالأمس ، قد غدا اليوم جيفة .. !

ونظرت إلى متاعه الذى وضعناه بجواره .. ووددت لو أقهقه ، وأجلجل بصوتى ، وأقطع هذا السكون العميق ، وفى هذا التيه من الخواطر المحزنة تنبهت على حركة شديدة فى محرك العربة .. وخفت سرعة العربة .. ثم وقف المحرك ..

***

ونزل السائق ، ودار حول مقدمة العربة .. ثم انحنى ورفع الغطاء .. وأخذ يعالج تلك الآلة الدقيقة .. وبعد دقائق قليلة كان عرقه يسيل ، وظهر على وجهه اليأس ..

وأخذت الهواجس تدور فى رأسى .. ماذا يحدث .. لو تقطعت بنا السبل ، وبقينا فى هذا المكان إلى الصباح .. وكان السائق ينظر إلى الطريق يمينا وشمالا وهو حائر ..

ورأينا نور سيارة من بعيد .. واقتربت وكانت من السيارات الكبيرة المتجهة إلى القاهرة .. ولوح لها السائق بيده فتوقفت ونزل سائقها .. ونظر فى محرك العربة ، وأدرك العلة .. وركب معه سائقنا إلى مغاغة ليجىء بمن يصلح السيارة .. وبقيت وحيدًا مع المرأة فى هذا الليل ..

***

بقينا صامتين مدة طويلة .. وكنت مضجعنا ، ومرسلا بصرى إلى سقف العربة .. وكانت هى مائلة إلى النافذة ، ومطلة برأسها على الطريق .. لم تكن تتحرك .. حتى يخيل للناظر إليها أنها نائمة .. ما أشد سكون هؤلاء القرويات وما أحلى وداعتهن .. أى سر فى الحياة ..

بعد أن بارحنا السائق بلحظات ، ووجدت نفسى وحيدًا مع هذه المرأة .. سرت فى جسمى رعشة .. ووجدت الدم يتدفق فى عروقى من جديد .. ونسيت المرض والحزن .. والموت .. هل كنت أتمنى هذه اللحظة ، وأنا فى غمرة هذه التعاسة المرة ، وهذا التعب الجسمانى البالغ .. ؟ ربما .. فقد شعرت بعد أن تركنا السائق أن حملا قد انزاح عن صدرى . وأن الفاصل الذى كان يحجب عنى هذه المرأة قد أزيل .. ونسيت الموت .. وصاحبى الراقد خلفنا فى العربة .. نسيت كل شىء يتصل بهذا ، واتجهت بكليتى إلى هذه المرأة ، وكانت قد رفعت رأسها وواجهتنى ..

ونظرت إلىّ .. وعاودتنى الرعشة من جديد .. وابتدأ العرق ينضح على جبينى .. واقتربت منى وقالت فى صوت خافت ..
ـ أخائف .. أنت .. ؟

فقلت لها بصوت يرتعش :
ـ أبدا ..

ومددت يدى دون وعى ، كانت يدى تزحف فى الظلام كالعنكبوت ..
ـ يدك ساخنة .. !

ولم أقل لها شيئًا .. وتركت يدى فى يدها .. وأغمضت عينى ..
ـ مالك انت محموم ..؟
أنا محموم ..! كان العرق يسيل من جسمى كله .. وكنت أرتعش .

ومرت يدها على يدى وذراعى .. ووجدت يدى تمسح على ذراعها .. وشعرت بنعومة بشرتها تحت ملمس أصابعى .. وأحسست بجسمى يتخدر .. وسكنت الرعشة وجف العرق .. وانحدرت يدى عن ذراعها .. وكأنى كنت فى غيبوبة ورجعت إلى نفسى ، وبحركة لا شعورية .. مددت رأسى ونظرت من النافذة .. إلى صاحبى .. وكان فى نعشه وعليه الغطاء الحريرى .. هل تصورته تحرك ، ونظر إلينا ..

ووضعت يدى على جبينى ، وملت إلى النافذة ، وابتعدت عن هذه المرأة ..

وبعد قليل عدت أفكر فيها من جديد وكانت قد وضعت رأسها على كفها ، ومالت إلى الوراء ، وأغمضت عينيها .. إنها تحاول النوم ، أو تحاول الإغراء ..

هل تحاول هذه القروية معرفة ما يدور فى رأسى .. إننى محطم الأعصاب من طول ما لا قيته من عناء فى الأيام الماضية ، وكنت أود رفيقا أو أنيسا فى الطريق ، وقد وجدت هذه المرأة .. وجدتها رفيقى وأنيسى عندما كانت السيارة تسير ونورها يخطف البصر فى الطريق .. ولكن بعد أن توقفت السيارة، وأطفئت الأنوار .. انقلبت عنصر شر لى .. وزادتنى عذابا وألما .. فجلست بجوارها قلقا مهتاج الأعصاب ، لا أستقر على حال وأخذت أهز ساقى وأحاول أن أصرف ذهنى عنها ، ولكن هيهات ..

كانت روحى قد تخدرت وتقمصنى الشيطان .. وبدا لى أن خير ما أفعله هو أن أتحرك ، ففتحت باب السيارة .. فأحست بى ..

وسألتنى فى جزع :
ـ إلى أين ..؟
ـ سأتمشى قليلا ..
ـ لا تبتعد ..
ـ أتخافين .. ؟
ـ أنا .. أبدًا .. وإنما أخاف عليك من الذئاب ..؟

ونزلت وكانت تنظر إلىَّ بجانب عينها وتبتسم فى خبث ظاهر ..!
ـ الذئاب ..!
وضحكت ..

لقد أفلت من يدها .. وشعرت بعد خطوات قليلة بالراحة التامة وفعل نسيم الليل فى الصيف ، والهواء الطلق فعل السحر فى جسمى ونفسى ..

***

وعاد السائق وأصلحت السيارة ونزلت المرأة فى سمالوط .. وتنفسنا الصعداء وانطلقت بعدها السيارة بأقصى سرعتها ليعوض السائق ما فاته .. وبلغنا منفلوط قبل أن يتنفس الصبح ..

***

ووقفت بنا السيارة أمام منزل الميت .. وصعدت ومعى الحقيبة التى فيها متاعه ، واستقبلتنى أخته فى نهاية الدرج ، وكانت فى لباس أسود ، ولكنها لم تكن تولول أو تصيح ..

كان حزنها دفينا صادقا .. شددت على يدها وتهالكت على أريكة قريبة ، وأدرت عينى فى المكان باحثا عن أبيها ..

وعرفت نظرتى وقالت بصوت مفجوع :
ـ إنه نائم .. جاءته برقيتك وهو فى فراشه ومن وقتها لم يتحرك .. وقد أخبرت الشيخ عبد الحفيظ .. وأعد كل شىء ..

ولم أعجب لذلك فقد كنت أعرف عنه الكثير .. ورفعت عينى إلى أمينة التى عاش من أجلها أحمد ، ولأجلها ضحى بكل شىء ، لأنه كان يعرف أن والده ميت حى .. لقد غدت امرأة .. الفتاة التى كانت تصنع لنا القهوة فى ليالى الامتحان قد اكتملت أنوثتها . وجمعت كل مفاتنها ولقد زادها الثوب الأسود جمالا ..

ونظرت إليها وقلت بصوت حزين :
ـ أيقظيه فالوقت متأخر ، والسائق يجب أن يعود بالسيارة قبل ..

ولما سمعت كلمة السيارة أجهشت بالبكاء .. وكان فى ناحية من البيت بعض النسوة فتركتها لهن ، ودخلت على أبيها فى فراشه ، وكان نائما على سرير من الحديد .. وتحته لحاف قذر كله حروق حمراء مستديرة .. وكان بجواره منضدة صغيرة عليها بقايا تبغ محترق .. وآثار قهوة فى فنجان .. ثم زجاجة فارغة من الخمر .. وكأس مقلوبة .. وآثار خمر على الأرض .. وفى الفراش .. وكان منظر الحجرة كريهًا ..

هذه هى حجرة مصطفى أفندى وهو فى فراشه .. كل شىء يبعث على الاشمئزاز .. حجرة سكير .. غارق فى الخمر إلى الأذقان .. ووقع نظرى على الدوائر الحمراء فى اللحاف .. وهو نائم عليه دون حس أو حركة .. إنه يدخن وهو مضطجع .. ويغلبه النعاس فتسقط يده بالسيجارة على الفراش ..

ووضعت يدى على عاتقه وهززته بقوة فتحرك بعد لأى .. وقام كأنه يجر إلى المشنقة .. متثاقلا متخاذلا.. واعتمد على ذراعى ، ونزلنا إلى الشارع ولما رأى السيارة انتفض .. ودب فى جسمه نشاط عجيب ، وأخذ يولول وينوح..! وجمع علينا القرية بكل من فيها من رجال ونساء ..!

***

وعدت من المقبرة إلى المنزل وقد بلغ منى الجهد .. ونمت نوما متقطعا وحلمت أحلاما مزعجة .. وكنت كمن أصيب بالحمى .. فذهل عن كل شىء وأخذ يهذى .. ويطلب الماء فى كل دقيقة ، وفى جوفه أتون مستعر .. وأتت إلىّ أمينة بمنديل سقته بالخل وعصبت به رأسى .. فقد أصبت بضربة شمس ..

وفتحت عينى فإذا الليل قد أرخى سدوله على القرية .. وكان العرق قد تفصد من جسمى كثيرًا فشعرت بعده بالارتياح والانتعاش والعافية ..

ورحت أسترجع كل ما مر علىّ فى الأيام القليلة الماضية .. ثم تحركت من فراشى ، ونظرت من النافذة إلى الحقول وكان السكون يخيم ، والقرية ساكنة ، وسمعت حسا وحركة .. فأصغيت ..

سمعت صوت أمينة كانت تتحدث فى صوت خافت يشبه الهمس ، ثم ارتفع صوتها ، ووضح صوت أبيها واشتد بينهما الكلام والعراك ، وسمعتها تنتحب ، فجريت نحوهما فوجدت والدها واقفا على سلم البيت وبيده شىء ، والفتاة تشده منه بقوة وهو يجاذبها فيه بعنف ، ويصيح مهددًا ..

وكان أحمر العينين أغبر السحنة ، ولما بصر بى صمت فجأة وترك ما فى يده ، ووقع بصرى على ما كان فى يده ، إنها بذلة أحمد التى حملتها معى من المستشفى .. !!

وضمتها أمينة إلى صدرها وأخذت تنشج .. ووقف هو مشدودًا إلى الأرض فاغرًا فاه ، وهو لا تكاد عينه تطرف ، ونظرت إليه فى قوة ، إنها بذلة أحمد وهو ذاهب بها إلى السوق ليبيعها ، ويشترى بثمنها زجاجة من الخمر ..

نظرت إلى هذا الرجل الذى يقف الآن ذليلا أمام شاب فى سن ابنه ، لأنه يدرك شناعة فعلته ، ولكنه لا يستطيع أن يملك من أمر نفسه شيئًا .. لم تعد له إرادة على الإطلاق ، إنه الضعف البشرى ، إنها الإنسانية المعذبة .. نظرت إليه فى وقفته الذليلة هذه .. وتذكرت فى الحال أبطال دستويفسكى العظيم ..

وكنت أود لو أمسك بيد أمينة وأقول لها .. اركعى معى أمام والدك المسكين .. السكير .. كما فعل رازكو لينكوف أمام امرأة سقطت .. وقبلى الإنسانية المعذبة فى شخصه .. إن والدك ليس فظا ولا حقيرًا ولا جشعًا كما تتصورين ولكنه لا يملك من أمر نفسه شيئًا ..

***

انسحب مصطفى أفندى من أمامنا ، وأخذت أحادث أمينة حتى كفت عن البكاء ..

واستيقظت فى الصبح على صوت أمينة وهى تبكى .. وعلمت أنه غافلها وأخذ البذلة .. وعاد ومعه زجاجتان من الخمر .!

ودخلت عليه حجرته فإذا به مستغرق فى نوم عميق كما شاهدته أول مرة ، وفى اللحاف آثار حروق جديدة .. ! ورائحة الخمر تنبعث من كل مكان فى الغرفة .. !

***

وبعد ساعة كنت أركب سيارة صغيرة إلى المحطة ، لنأخذ القطار السريع إلى القاهرة .. وكانت بجوارى أمينة .. كانت صامتة ، ولا تزال فى ثوبها الأسود .. وفى عينيها بقية من دمع ، ولكن وجهها كان يشرق ويغمر نفسى نورًا ..

=================================
نشرت القصة فى مجلة كليوباترا 16/9/1946 وأعيد نشرها فى مجموعة قصص " العربة الأخيرة " لمحمود البدوى عام 1948 وبمجموعة " قصص من الصعيد " فى سنة 2002 من اعداد وتقديم على عبد اللطيف وليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر بالفجالة
================================

فى القرية ـ قصة قصيرة

* قصص من الصعيد
مكتبة مصر 2002





فى القرية
قصة محمود البدوى


كنا نستيقظ فى الساعة الخامسة صباحا .. حتى فى أشد أيام الشتاء برودة ، وأقساها زمهريرا ، ونتخذ طريقنا إلى الحقل متثاقلين ..

كنا خمسة عشر رجلا من قرى مختلفة ، جمعنا عمل واحد فى قلب الصعيد ، كنا من العمال الأجراء الذين يسعون فى الأرض طلبًا للرزق ، أينما وجدوا للعمل سبيلا ، وللرزق موطنا ..

كنا من هذه المخلوقات البشرية التى كتب عليها الشقاء الأبدى فى هذه الحياة الدنيا ، والذين ولدوا فى ليال لا يلوح فيها نجم ، ولا تبدو بارقة من سعود .. !

وكانت الأيام تمضى بنا من سىء إلى أسوأ ، ولكن على الرغم من ضنك العيش ، وشدة الفاقة ، وبلاء الأيام ، فقد كنا قانعين بنصيبنا من العيش ، وحظنا من الحياة ..

كان الواحد منا لا يحصل على أكثر من ثلاثة قروش فى اليوم ، نظير العمل اثنتى عشرة ساعة فى الحقل .. وكنا نعمل بين الشادوف ، وسقى الأرض وعزقها ، من فجر اليوم ، إلى مغرب الشمس ، وطعامنا لا يعدو الخبز الأسود والبصل، وما تنبت الأرض من بقل ، ومع ذلك لم نكن نشكو نصبا ، ولا مرضا .. وكنا نعمل تحت الشمس ، ونصلى نارها طول النهار ..

وكانت ساعات الظهيرة ، فى قلب الصيف ، هى شر ما يمر بنا من الساعات .. حين تشتد الهاجرة ، ويركد الجو ، ويلتهب قرص الشمس .. كنا فى تلك الساعة نشعر بضنى شديد وعذاب لا يطاق ..

كانت الأرض المتقدة تلهث كما يلهث الكلب المضروب ، وتزفر من عذاب السعير ، والشمس تحمى حتى يلتهب كل شىء ، وتتحول دقاق الحصى إلى جمرات من نار .. فإذا أصابت باطن القدم ، كوته بنارها وشققته ورسمت فيه أخاديد .. !

وويل للذين كانوا يعزقون الحقل فى تلك الساعة من النهار .. كانوا يختنقون بين عيدان الذرة ، ويجودون بأنفاسهم فى بطء وعذاب .. وكان الذين يعملون فى الشواديف ، أسعد من هؤلاء حالا ، وأخف حملا ، لأنهم أقرب إلى الماء ، وأجسامهم شبه عارية ، وهى إن كانت تتصبب عرقا ، ولكنها لا تحمل غبار الأرض وحرقة الرمضاء ..

وكان الذين يسقون الأرض يحسون بلظاها من تحتهم ، كلما جرت عليها المياه ، كانت تخرج أنفاسها الحارة الملتهبة ، فيزداد الجو وهجا وسعيرا ..

***

كان الجهد الذى نبذله فى الشادوف جبارًا ، وكان يجرى الدماء فى عروقنا ، ويصبب العرق من أجسامنا ، وكان هذا العمل الشاق تحت لفح الشمس ، فى جو طلق ، يفيد أجسامنا من حيث لا نحتسب ، ويعوضنا عن غذائنا الردىء ، وحياتنا الشقية .. فكنا نشعر بقوة سواعدنا وقوة عضلاتنا .. وكنا نرتدى أقمصة زرقاء قصيرة ، ونعرض أجسامنا لكل تقلبات الجو ، لنأمن عادية المرض ..

كنا نجرى على حكم الفطرة السليمة ، فلم نكن درسنا الطب ، ولا تعلمنا فك الخط ، ومع ذلك كان نظرنا إلى الأمور صائبا ، وإدراكنا صحيحا ، وإيماننا باللّه ليس بعده إيمان ..

ولم يكن هناك ما يكدر صفو عيشنا ، كنا نعمل متعاونين متساندين كأحسن رفقاء ، وكان أحد الرفقة حلو الصوت شجيه ، فكان يرفع عقيرته ويشدو .. وكنا نشدو وراءه فى صوت مؤثر يأخذ بالألباب ..

وكانت الشواديف على ثلاث درجات ، ويعمل فى كل قسم ثلاثة رجال ، فى كل درج رجل .. وكنا ثلاثة صفوف متراصة ، فكانت هذه الشواديف التسعة وهى دائرة فى وقت واحد ، كأنها النواعير الباكية فى البساتين ، كنا ننسى على وقع صوتها كل تعب وجهد ، ونزداد حماسة وقوة .. ونتسابق فى نقل المياه بالدلاء من درج إلى درج .. وكان الذى فى الصف الأول يتحمل ثقل العمل كله ولهذا كنا نتبادل هذا المكان ..

كنا عدولا بالفطرة ، لأننا كنا فقراء بؤساء ، ولم يكن هناك ما يحملنا على الطمع .. ! وكانت المراكب الشراعية التى تشق النيل بصدرها تمر تحت شواديفنا ، فكنا نلوح للملاحين فيها جذلين فرحين ، ونرفع صوتنا بالغناء والنشيد مثلهم .. وأطيب ما يكون الغناء ساعة الصبح ، وعند الغسق ، فى الساعة التى يسكن فيها كل شىء ويسجو ..

كانت الأيام تمضى رتيبة ، وكنا ننتقل من الحقل إلى القرية ، وننام فى منزل صغير اكتريناه بعرق جبيننا ، واختزنا فيه طعامنا .. ولقد كان المنزل أشبه بزريبة الحيوانات التى بجوارنا .. ومع هذا فقد رضينا بقسمتنا فى الحياة ، ونصيبنا من العيش ، وكنا سعداء .. !

***

كان بجوار الشادوف الذى أعمل فيه طريق صغير يفضى إلى ساحل النيل ، وكانت النسوة فى القرية يتخذنه طريقا لملء جرارهن من النيل فى فجر كل يوم وأصيله .. ولما كنا نعمل شبه عراة فى الشواديف ، فقد كانت نساء القرية يسدلن خمرهن على وجوهن كلما اقتربن منا ، ويتجنبن النظر إلى ناحيتنا ، ومع ذلك ، فقد كانت الحماسة تبلغ بنا أشدها عندما يردن الماء .. كان كل منا يحاول أن يسبق الآخر فى نزح المياه التى تحته ليظفر باعجابهن .. ! وكن أحيانا يرميننا بنظرات جانبية سريعة .. ولكنها كانت عطشى .. كانت أجسامنا العارية ، وعضلاتنا المفتولة تثير فيهن الإعجاب الكامن ..

كنت أشد الرفاق ساعدا وأقواهم عضلا ، وكنت ألاحظ أن فتاة تجىء ساعة الغروب وعند الطفل .. عندما يغيب قرص الشمس وراء الجبل ، كانت تطلع هى علينا .. فيخيل إلينا أن الشمس لا تزال طالعة .. ! وكانت من دون النساء جميعا، تهل علينا سافرة تاركة نفسها على سجيتها ، فلم تكن تتصنع فى مشيتها ، ولا فى لفتتها ، ولا فى نظرتها ..

وكنت أتعمد أن أكون فى الساعة التى تجىء فيها فى آخر درج من الشادوف ، عند الماء ، لأكون بالقرب منها ، وهى تملأ الجرة .. كانت تدع الجرة على الشاطئ هنيهة ، وتجلس محدقة فى الماء ، كأنها ترى وجهها فى صفحته .. ثم تتناول الجرة بيدها اليمنى ، بعد أن تشمر عن ساعديها وتنزل إلى الماء ، رافعة ثوبها عن ساقيها قليلا .. قليلا .. حتى يبلغ الماء قصبة الساق .. ! فتنحنى على الماء وتملأ الجرة ، ثم تعود إلى الشاطئ ، وترسل ثوبها ، وتنتصب ، وهنا يبدو عودها اللدن ، ووجهها المشرق ، وشعرها الغدافى الجثل المرسل وراء ظهرها ، والذى يكون هالة لجبينها ..

كانت كإحدى عرائس البحر التى نسمع عنها فى الأساطير ، وكأنما جعل اللّه كل فتنتها فى عينيها ، فكانت عندما تأخذ فى رفع الجرة على رأسها ، تتلفت نحوى كما يتلفت الظبى الشارد .. ! كنت فى تلك اللحظة أنتفض ، وأنحنى على الشادوف ، ثم أرفع رأسى ، وأرمى بالدلو إلى القناة فى عنف .. ! وكانت هى ، فى تلك الساعة ، تصعد المنحدر إلى الطريق ، فأرى ثوبها ، وهو ينثنى على ظهرها ، وأشيعها ببصرى حتى تتوارى عنى .. ويزحف الغسق ، فنخلع الدلاء ، ونأخذ طريقنا إلى القرية .

***

كنا غرباء عن القرية ، وكان المنزل الذى نكتريه فى ناحيتها الشرقية ، وكان أقرب منازل القرية إلى الحقل ، فلم نكن ندخل القرية ، أو نرى سوقها إلا قليلا .. ولهذا ما كنا نرى من النساء إلا أولئك اللواتى يجئن ليملأن الجرار ساعة الغروب وعند الفجر .. فكن سلوتنا وبلسم أحزاننا .. وعلى الرغم من أن واحدًا منا لم يحادث واحدة منهن ، فقد كنا جميعا نشعر بسعادة تهز مشاعر الإنسان ، كلما سمعنا حسهن ، ووسوسة حليهن .. !
وأخذت الفتاة على توالى الأيام تبادلنى النظرات ، وتتمهل فى سيرها وهى نازلة إلى النيل ، أو صاعدة إلى الطريق ، لأملأ عينى منها ، وكنت أشعر بلذة تهز كيانى كلما ارتوت عيناى من حسنها ..

وكانت تتخلف أحيانا فى بعض الأيام ، فأشعر بالوحشة والقلق ، وأحاول أن أسأل الناس عنها ، وأظل على أحر من الجمر حتى تعود .. ! فأعود معها إلى عملى بنشاط وقوة .. ! أصبح كل شىء فىّ معلقا بها .. وكنت محروما .. مرت علىّ سنوات عدة لم أتصل فى خلالها بامرأة ، فكنت أحس ، كلما وقع بصرى عليها ، بسعار يسرى فى ألياف لحمى ولهب .. ! وكانت على مر الأيام قد عرفت حالى .. وأدركت بغريزتها ما أعانيه فى سبيلها ..

فكانت تتأخر عامدة إلى ما بعد الغروب ، وتروح وحدها محاذية الحقول ، وعلى رأسها جرتها ، وكانت تسير متهادية متباطئة ، حتى تبلغ جسر القرية ..

وكنت أقف على رأس الحقل ، وأرسل وراءها بصرى ، وهى مولية عنى فى غبش الغسق .. كانت كعروس البحر ، وهى سائرة وحدها فى أول الليل ، كانت أنفاس المزرعة تتعطر ، والجو كله ينقلب رخاء سجسجا ، ونسيما لينا يداعب الوجوه ، والقرية تستقبلها ضاحكة ، كأنها تستقبل عروسها ، وبنتها البكر .. !

كان كل شىء يضحك ويبتسم فى وجهها ، وكان رفاقى فى الحقل يحدجونها بعيونهم ، ويرمونها بنظراتهم النهمة ، وهى سائرة وحدها بجانب الحقل .. ولكن أحدًا منهم لم يكن له مطمع فيها ، ولا أمل .. !

وكثيرا ما كانت تقف على رأس المنحدر ، وترمقنا ونحن نتسابق بالدلاء .. فإذا ما كانت الغلبة لى انثنت عنا ، وهى ترسل إلىّ أعذب ابتساماتها .. ! كنت أشعر بقوة غريبة كلما رأيتها ، وأود لو أنزح ماء النيل كله فى غمضة عين ..

***

وتبعتها ذات مساء وهى متروحة وحدها .. سارت على الجسر ، وقبل أن تبلغ منازل القرية انحدرت عنه ، ومشت متمهلة فى طريق صغير بين الحقول.. وهى تلوح بساعدها الأيمن فى الهواء .. وتضع يدها اليسرى على بطن الجرة ..!

وخرجت من الحقول إلى عرصة فسيحة ، وبدت أمامى ، فى ناحية من العرصة ، بيوت من الشعر .. أخبية متناثرة على غير انتظام .. لم أشاهد هذه الأخبية من قبل ، مع أنى مررت على الجسر أكثر من مرة .. ! ولعلى لمحتها فى صورة سريعة لم تطبع فى مخيلتى ، ككل شىء لا يعنينا فى هذه الحياة ..

جلست على حافة الجسر أرقب خباءها ، وخباء من معها من قومها وكانوا عشرة أو يزيدون .. فيهم كثير من الأطفال ، وقليل من الرجال .. ونساء غيرها ، ولكنها كانت أشدهن فتنة وأخذا .. وكان مع هذه القافلة غنم وعنزات .. وبط ودجاج يرعى فى كل مكان ثم أتانان مهزولتان .. لا شك أن عليهما حمل متاع هذه القافلة إلى حيث تمضى .. !

نظرت إلى هذا كله .. وأدركت أنهم من الغجر الذين يخيمون كثيرا فى هذه القرية ، ثم يقوضون خيامهم ، ويرحلون عنها بأسرع مما جاءوا .. سررت وتألمت فى آن .. وأخذت أراقبهم ..

ومع أن الليل لم يكن قد أسدل غياهبه ، ونشر ظلامه ، فإنهم كانوا يوقدون النيران فى أكثر من مكان واحد .. ويهيئون العشاء فى قدور تغلى ، ويتصاعد من تحتها الدخان .. ! ورأيت فى ناحية من المكان عجوزا ، براقة العينين ، تحرك بيدها مجرافا طويلا ، وتذكى النار فى الموقد .. وعينها على جدى يناطح خروفا .. ! وامرأة قصيرة القامة تلقى بعض الحشائش للعنزات .. وأخرى ترضع صغيرا .. وصبية يتصايحون .. بين البط والدجاج والكلاب ، التى لم يكن فيها كلب واحد ينبح ، أو حتى يحرك ذنبه .. !

وكان هناك رجل كث الشارب ، أحمر البشرة ، له وجه شيطان وجسم ثور ، يفتل حبلا طويلا من الليف ، ويصعد بصره فى السماء من حين إلى حين ..

وكانت صاحبتى قد دخلت الخباء ، ثم خرجت منه ، وتبادلت مع ذلك الثور الضخم بضع كلمات .. ثم انتبذت ناحية ، وجلست وحدها ساكنة ، وعينها إلى نخيل القرية السامق ، وهو يتمايل مع نسيم الغروب ..

***

كنا نسقى الأرض العالية من الحقل ، وكانت القناة الرئيسية ممتلئة إلى حافتيها بالماء ، وكنت أمر عليها ، وأقوى الأماكن الضعيفة منها ، وأعمق القاع ، وأجرف الطين ، وأزيح الأعشاب ..

ولمحت الفتاة قادمة من بعيد .. مالت عن الجسر ، وسارت فى الطريق الصغير بين الحقول ، وكانت تمشى الهوينا كعادتها ، وتسوق أمامها قطيعا .. قطيعا عجيبا .. كان خليطا من الغنم والأعنز والبط ، وبعض الطيور الأخرى .. وكان الوقت ظهرًا ، والقيظ شديدًا .. وكانت تلوح بعصاها ، وتنزل بها على ظهر الغنم .. وترد الأعنز إلى الطريق ..

وكانت تمشى الوجى ، وملامحها ساكنة ، ووجهها فى لون البرنز وفمها الدقيق مفتوحًا .. ونفسها مبهورًا ، وقدماها عاريتين .. ولقد أشفقت على هاتين القدمين الصغيرتين ، وهما تصليان نار الأرض ، فى تلك الساعة من النهار .. ووددت لو أفرش لها الطريق بالسندس ، أو الإستبرق .. !

وقفت على مدى أذرع قليلة منى .. وورد القطيع الماء .. مدت الأغنام والعنزات أعناقها وقفز البط إليه .. وكنت محولا وجهى عن الشمس ، ويدى على الفأس ، وعينى إلى الأفق .. وشعرت لأول مرة فى حياتى باضطراب شديد ..

أنا رجل من لحم ودم .. رغم كل شىء .. ورغم ما فى من قوة الأعصاب.. وأنا وإن كنت ريفيا خشنا لم يخفق قلبى خفقة الوجد ، ولم أنعم فى ظلال الروض بنسيم الحب وشذاه .. ولكنى رجل .. رجل فى ربيع عمره، من لحم ودم .. ذاق قسوة الحرمان عدة سنين .. !

ولهذا شعرت عندما اقتربت منى هذه المرأة ، وامتزجت أنفاسها بأنفاس الزرع المحيط بى ، بأن يدًا من الفولاذ تعصر قلبى .. فوضعت الفأس على كتفى ، وتركت المرأة وحدها، ودخلت الحقل ، وأخذت أضرب فى الأرض ، وعيناى لا تريان شيئا ، وجسمى يسيل عرقا .. وظللت على ذلك مدة خيل إلى أنها طويلة جدا..

وتنبهت على صوت المياه ، وهى تتدفق بجوارى ، وتسيل تحت قدمى .. فأسرعت إلى خارج الحقل .. فوجدت القناة قد تقطعت فى المكان الذى كان يشرب فيه القطيع .. وكانت الفتاة واقفة فى مكانها تضحك .. !

فقلت لها فى غيظ وخشونة :
ـ أهذا مضحك .. ؟
ـ ليس أمتع منه منظرًا .. !
ـ اذهبى بغنمك وعنزاتك .. إن هذا جهد تسعة رجال من لحم ودم .. اذهبى ..

فظلت فى مكانها ، ساجية الطرف ، تضحك !
ـ أقول لك اذهبى .. اذهبى إلى جهنم بغنمك و ..
ـ أنا أشرب من النيل .. والنيل ليس ملكك ، ولا ملكا لأحد .
فلوحت بذراعى ، وصحت فى وجهها وصوتى يرعد من الغضب !
ـ النيل هناك .. وإذا جئت إلى هذه القناة مرة أخرى سأقطع رأسك بهذه الفأس .. !

فبقيت فى مكانها ساكنة ، ووجهها باسم ، لم يكن هناك شىء يخيفها ، أو يفزعها .. ! وكنت قد سددت القطع ، وسكن جائشى ، وعاودنى بعض الهدوء .. وكانت تلاحظنى ، وأنا أجرف الطين ، بعينين ذابلتين ، شبه مسبلتين، ولكنهما تلمعان ، ويبدو فيهما من حين إلى حين .. ذلك البريق الخاطف الذى لا تراه إلا فى نساء « النور » ..

هزت عصاها ، وساقت القطيع .. تقدمت به نحوى ! ووقفت أمامى فى الناحية الأخرى من القناة ، وكان خداها يرف لونهما ، ويذوب فيهما شعاع الشمس ، وشفتها السفلى فى لون الدم .. ! ورفعت أهدابها ، وقالت فى صوت كالهمس :
ـ أعطنى بعض الحشائش للعنزات .. !
فأشرت بيدى إلى الحقل ، وقلت لها فى صوت جاف :
ـ الحقل أمامك ، فورقى منه ما تشاءين ..
ـ لا أعرف .. !
ـ ماذا ؟! ...
ـ لا أعرف .. أنا لست فلاحة ..
ـ أنا أعرف أنك بنت العمدة ! .. ومن تكونين إذن ؟ ..
ـ أنا غجرية ! ..
ـ نورية ؟ ..
ـ نورية ! ..
ـ ومتى ترحلون .. !
ـ لا ادرى .. ولا حتى طوفان يدرى .. !

فأدركت أن طوفان هو ذلك الثور الهائل الذى كان يفتل الحبل ، ولا شك أنه زعيم القافلة .. ! ورجلها أيضا .. !

ودخلت الحقل ، وخرجت منه بحزمة ضخمة من الحشائش ، وألقيتها تحت قدميها ..

وقلت لها :
ـ خذى .. واذهبى عنى ..
ـ أنا لست قوية مثلك .. ولا أستطيع حمل هذه .. !
ـ إنها ليست أثقل من الجرة ..
ـ ولكننى لا أستطيع حملها ..
ـ سترين .. !

وعبرت القناة ، واقتربت منها .. واقتربت منى .. ورفعت طرفها .. وصوبت عينيها إلى أعماق عينى ..

وأخذنى ما يشبه السعار عندما لمست يدى ذراعها .. ووضعت الحزمة على رأسها فى قوة ، فرفعت أهدابها ، وركزت بصرها .. وظلت على ذلك برهة .. ثم حولت وجهها عنى ، ومضت تحت وهج الشمس الحامية ..

***

تعلق قلبى بها بعد هذه المقابلة ، وأخذت أفهم بوضوح سر نظرتها .. وأتبين الرغبة فى أعماق عينيها ..

كانت قد هزت شيئا كامنا فى أعماق نفسى .. وحركت غريزتى بعد طول سكونها ، وطول خمودها .. عندما تبتعد عن المرأة ، وتشغل عنها بالعمل الشاق ، لا تعود تفكر فيها إلا تفكيرا عارضا.. وقد تطرحها وراء ظهرك وتنساها كلية .. !

ولكن ويل للرجل القوى الجسم ، الكامل الرجولة إذا حامت حوله امرأة .. وألقت عليه شباكها.. ووقع تحت سلطان نظرتها النهمة .. ويل له من العذاب المضنى ، والألم الشديد ، والقلق المستبد ، والأرق الذى لا نوم بعده ..

كنت أضع جنبى على الأرض ، ولا أتحرك طول الليل ، ولا يمر بى حتى طيف حلم .. ! أما الآن فأنا أتقلب طول الليل على جنبى ، وأتمثلها بنظرتها ورغبتها .. وأحلم بأنها بين ذراعى ، وأنى آخذها فى أحضانى .. ! لقد أخذ نظرى يشرد ، وعقلى يضطرب ، وجسمى يثور ، وروحى تتعذب ، وجو حياتى كله قد تكنفته الشياطين .. !

***

اشتد على الأرق فى ليلة من الليالى ، وثارت ثورة الدم فى جسمى ، فغادرت المنزل ، ومشيت على الجسر ، وكان الليل ساكنا ، والظلام مخيما ، والقرية كلها غارقة فى سبات عميق .. ولا شىء يقطع هذا السكون غير نباح الكلاب بين الفينة والفينة ..

ومضيت على الجسر حتى ألفيت نفسى واقفا بإزاء خبائها .. إنها نائمة الآن .. ربما فى أحضان ذلك الثور .. أو ساهرة وحدها تعد النجوم .. ويممت وجهى شطر الحقول ، ووجدت نفسى أمضى سريعا كأنما أساق إلى غاية .. وأخذت عينى الشواديف ، وهى قائمة فى فحمة الليل كالأشباح .. ومشيت على النيل ، ولمحت قلوع المراكب البيضاء ، وهى ترتعش فى جوف الظلام ..

وطالعنى الجمال والسكون من كل جانب .. سكون النيل .. وسكون الروض .. وسكون الليل .. ولكن لا شىء يسكن ثوران جسمى ، ويهدئ فورة الدم فى شرايينى ! .. لا شىء .. !

اضطجعت فى بطن القناة .. وعينى إلى نجوم الليل البراقة .. وأذنى إلى كل حس .. إلى حس إنسان .. إلى صوت امرأة .. ومضت ساعة .. وأنا مرهف سمعى .. وبصرى لا يتحول عن الطريق ..

وسمعت حسًا ، سمعت صوتًا كالهمس ، فرفعت رأسى ، وشخصت ببصرى .. وكان النور قد بدأ ينتشر .. وتبينت نساء فى الطريق إلى النيل .. لقد بدأن يملأن الجرار .. وستجىء هى .. بعد هؤلاء أو بعد سواهن .. وعادت النسوه إلى القرية ، وجاء غيرهن .. ومضين .. ولم يأت بعدهن أحد ..

أنقطعت الرجل .. واشتد السكون .. ورأيت سوادا ينحدر عن الجسر .. نهضت بصدرى وأرسلت عينى .. وظللت معلقا بصرى بهذه المرأة حتى اقتربت وتوضحتها .. إنها هى .. ولا أحد يتأود فى مشيته مثلها .. ولا أحد يجىء وحده سواها .. ونهضت من مكانى ، واندفعت فى سرعة البرق إلى الحقل .. !

وحملت فأسا على ظهرى ، ومضيت إلى رأس القناة ، وأخذت أضرب فى الأرض .. ! ونظرى يرتفع عن الأرض ، ويستقر على الطريق .. وكانت تسير هادئة ساكنة ، ولما اقتربت منى سمعت صوت الفأس .. فمالت برأسها ، وتمهلت فى سيرها لحظة .. ثم استأنفت السير حتى اقتربت منى جدا ..

وقالت:
ـ آه .. أهذا أنت ؟ .. إنك لا تنام كالشياطين .. !
فلم أرد عليها ، وأخذت أضرب فى الأرض ..
ـ أتعمل فى هذه الساعة .. إن النور لم يطلع بعد .. !
ـ يجب أن أهيىء القناة قبل أن تدور الشواديف .. »
ـ ولكن هذا جهد شاق .. شاق جدا .. يضر بك ويفنى قوتك ..
ـ إن هذا لا يضر .. ولا شىء يفنى قوتى إلا الموت ..

فابتسمت ، ومضت بالجرة ونزلت إلى النيل .. ألقيت الفأس .. ووقفت على رأس المنحدر أرقبها بعينين زائغتين .. وطلعت ، ورأتنى واقفا كالناطور .. ! فوضعت الجرة على حافة الطريق لتصلح من ثوبها ..

وقالت :
ـ لماذا تقف هكذا .. أتريد أن تستحم .. ؟
ـ أجل ..
ـ فى طريق النساء .. إنك شيطان .. !
ـ لقد انقطعت الرجل .. وسأذهب بعيدا .. دعينى أساعدك على حمل الجرة ..

ووضعت يدى على يدها ، وهى ممسكة بأذن الجرة .. وسرى فى جسمى اللهب ..

نظرت إلىّ .. وأدركت ما يدور فى خاطرى .. وشددت على ذراعها ..

فقالت :
ـ دعنى أمض .. لماذا تنظر إلى هكذا .. دعنى أمضى ..

وكانت تهمس ، ولكنى شددت على ذراعها بقبضة من فولاذ .. وحملتها.. وفى سرعة البرق دخلت بها الحقل ..

***

وقالت لى وهى تحمل الجرة عائدة إلى القرية :
ـ إنك وحش .. ولكنى أحب الوحوش .. !

***

ومرت الأيام ، وكانت مستسلمة بكليتها لى ، وشاعرة بنشوة لا تصور ، وكانت تأخذ منى كثيرا ، ولا آخذ منها شيئا .. ولم تكن من أولئك النساء اللواتى يشعرن بعد الجريمة بعذاب القلق ، ويقظة الوجدان فيرحن يقطعن حسرات ويرسلن العبرات .. ! لم تكن من هؤلاء فى شىء ، بل كانت تزداد على الأيام فجورا وسعيرا ، وازداد معها نزقا وطيشا ..

عندما كنت صغيرا ، كنت أخرج مع لداتى من أبناء قريتى إلى النيل ، ونتسلق صوارى المراكب إلى أن نصل إلى قمتها .. ونقفز من هذه القمة إلى الماء .. ونغوص إلى القاع حتى تلمس أقدامنا الوحل .. ! ثم نشب بعد ذلك فى بطء ، ويصافح وجهى سطح الماء فأنفض رأسى ، وأنا شاعر بدوار لذيذ .. ! وهذا هو حالى مع هذه المرأة ، فأنا غائص إلى الأعماق ، وشاعر بنفس الدوار ..

كان جسمها من السعير ، وكانت روحها تتلظى أبدا فى النار ، وكنت كأنما شددت إليها بسلاسل من الحديد ، فما من فكاك ..

وكانت روحى تستيقظ من حين إلى حين ، فأشعر بعذاب قتال ، لقد كنت ناعم البال ، قرير العين ، مثلوج الفؤاد ، قبل أن ألتقى بهذه المرأة ، فلما التقيت بها ، لفتنى العاصفة الهوجاء فى طياتها ، وكدت أذهب مع الريح .. !

ولقد كان الرفاق يذهبون جميعا للصلاة فى يوم الجمعة ، وكنت أتخلف وحدى .. فما كنت أستطيع أن أذهب معهم ..

كان جسدى قد سقط ، وروحى قد تلوث ، فكيف أقف أمام اللّه كما كنت أقف من قبل .. ويل لى من العذاب .. كنت أتبع الرفاق ببصرى ، وأنا واقف فى مكانى كالمنبوذ ، وأود لو أتمرغ فى التراب .

***

كانت الشواديف دائرة على أشدها ، وكانت الشمس قد آذنت بالمغيب ، وفعل نسيم الغروب فى أجسامنا فعل السحر ، فازددنا نشاطا وقوة .. ودارت الشواديف فى جنون ، وكنا ، نغنى ونشيع النهار المولى ..

وسقط أحد الشواديف فجأة ، مالت قوائمه ، وتحمل عجزه على الأرض .. وصعدت مع أحد الرفاق لرفعه .. وفيما أنا أدور ، وعلى صدرى هذه الكتلة الضخمة من الطين ، زلفت رجلى وسقطت إلى أسفل .. وجرحت جرحا بليغا واختلط الدم الغزير بالماء .. وغدا كل شىء أحمر ..

وكفت الشواديف عن الحركة .. ونظر إلى الرفاق فى ذهول ، وشفقة وألم .. وحملونى إلى البيت ..

وكان عباس أقوى الرجال من بعدى .. فاحتل مكانى ، وأدار دفة العمل أثناء مرضى ..

***

وطالت أيام مرضى .. فلم يكن هناك علاج ولا طب ، فقد تركت نفسى لرحمة الأقدار ..

وتطور الجرح ، وأصبت بالحمى ، وكنت أهذى طول الليل فى غرفة حقيرة قذرة ليس فيها نور ، ولا هواء ، ولا تراها عين الشمس .. فلم يكن فيها غير منفذ واحد ، وهو بابها الصغير .. ! وكانت الحشرات تمرح فيها فى الليل ، والذباب يملأ جوها فى النهار ، والروائح الكريهة تنبعث من كل مكان ..

وكنت ملقى على حصيرة قذرة فى ركن من الغرفة .. وتحت رأسى وسادة أقذر منها .. فأى عذاب وألم ، وأى حياة يحياها الريفى المسكين.. ! إنه إذا عاد من الحقل ، ودخل البيت ، أو ما يسمى بيتا شعر بالاختناق ، ولكن حسه يبلد على مر الأيام ، وعينه تألف القذارة ، كما يتعود بطنه الجوع .. فإذا مرض أرهف حسه ، ورجعت إليه مشاعره من جديد، وذكر المدينة وما يجرى فيها .. وراح يتصور القصور الشامخة ، والحدائق الغناء .. والمستشفيات والأطباء فى كل مكان فى المدينة .. وتفتحت آفاق نفسه ، وتاقت لأطايب الحياة ومناعمها ، وتحسر على ما مضى من عمره فى فقر وعذاب .. وأحس بالألم ، وويل للمظلوم إذا شعر بأنه مظلوم ..

كنت أقضى الليل ساهرًا ، وأفتح عينى فى الظلام ، وأحس بعباس وهو يتسلل من الغرفة فى أخريات الليل .. وأسائل نفسى إلى أين يذهب ..! فإذا رجع نام كالقتيل .. ! أهو عائد من عندها .. ؟ لقد كنت أنام هكذا .. بعد كل موعد معها .. فمن المحتمل جدا .. أنها أوقعته فى حبالتها .. وهى تواعده كل يوم كما كانت تواعدنى ، وتأخذه إلى نفس المكان .. ! فيالسخرية الأقدار .. كنت أدور ببصرى فى الغرفة كالمجنون حتى أستقر على وجهه ، وأود لو أعرف الحقيقة ، الحقيقة ليس إلا .. فقد كان الشك ينهش قلبى ..

***

وكان أول شىء فعلته بعد أن قويت على السير ، ورجعت إلى بعض قوتى ، أنى ذهبت إلى الحقل مبكرا لأراها .. ورأيتها وحادثتها وواعدتنى ، وجاءت فى هذه المرة فى نصف الليل ، ولم تبق طويلا .. وكانت تنظر إلى عينى فى استغراب ، ولم أدرك سر نظرتها ..

وقابلتها بعد ذلك مرات ، وكانت فى كل مرة لا تمكث سوى دقائق قليلة ، وتتعلل بالأكاذيب ..

وذات مرة أمسكت بذراعها ، وقلت لها فى غضب :
ـ ما الذى جرى يا ناعسة .. لقد تغيرت .. لماذا لا تمكثين غير لحظات ، وتمضين لطيتك .. ؟
ـ إن طوفان بدأ يلاحظ .. وأنت تعرف الثور عندما يثور .. !

وكانت تكذب ، فليس لطوفان ، ولا ألف رجل من أضرابه حساب فى نظرها ، وما من شىء كان يخيفها ويحول بينها وبين رغباتها ، وما من إنسان تخشاه .. فقد تقمصتها روح شيطان .. ولكننى تغيرت فتغيرت .. ملت وضجرت ، لأنها لم تعد تحس بقوة سواعدى ..

***

ورأيتها ذات مساء تديم النظر ، فى سكون ، إلى عينى ، ثم تولى وجهها مفزعة .. !

فسألتها :
ـ لماذا تنظرين إلى هكذا .. ؟

فعاد الهدوء إلى وجهها ، وارتسمت على فمها ابتسامة باهتة ، وظلت صامتة ..
ـ لماذا تنظرين إلى عينى هكذا .. ؟
وهززت ساعدها .. فقالت فى صوت كالهمس :
ـ أرى فى عينيك شيئا رهيبا .. !
ـ ما هو .. ؟
ـ لا أستطيع أن أبوح لك به الآن .. دعنى أمض ..
ـ لن أدعك تذهبين .. حتى .. حتى ..
ـ إنك مخبول .. دعنى أمض .. لا شىء فى عينيك ..
ومضت فى جوف الظلام ..

***

وسرت وراءها ذات ليلة .. وأحست بى فتوقفت عن سيرها ، وتقدمت حتى وقفت أمامها ، وأمسكت بذراعها ، فأفلتت ذراعها من يدى بقوة كمن أصابته لدغة عقرب .. ! وفى مثل لمح الطرف انقلبت ملامح وجهها إلى وجه نمرة .. !

وقالت بصوت يرتعش ، وهى ترسل من عينيها نارا :
ـ ما الذى تريده .. ؟

فأرسلت يدى إليها مرة أخرى ، فصرخت فى وجهى :
ـ ابتعد عنى .. لا تلمسنى أيها القذر .. !

شعرت بغيظ شديد ، وتلفت حولى فلم أجد إنسانا .. ليس هناك سوانا ، ونظرت إليها نظرة مجنون .. كان قلبى يتقد من الغيظ ، وعيناى ترسلان وهجا من نار .. وأدركت ما يدور فى ذهنى ..

فقالت فى هدوء ، وشفتها السفلى متقلصة ، وعينها لا تتحول عن وجهى :
ـ هل تحسب أنك تخيفنى بهذه النظرة .. ! أنا لست ملكا لك ، ولا ملكا لأحد .. أنا حرة طليقة كالطير ، أطير فى كل مكان .. وما لأحد سلطان على .. وما من شىء يخيفنى .. وما من شر يصيبنى من إنسان .. أما أنت فستساق يوما إلى المشنقة بين صفين من الجند .. !

ومضت عنى ، واحتواها الظلام ، وبقيت مسمرا فى مكانى ، ملصقا بالأرض ، كأنى أحد النواطير القائمة فى الحقل لتخيف العصافير ..

***

ونضج حقل الذرة وأخذنا نقطع الكيزان ، ونكومها فى طرف الحقل .. وكان ثلاثة منا يبيتون فى الغيط مناوبة ، ومعهم سلاحهم ، وكان الحقل قد قطع نصفه وبقى نصفه ، الآخر قائما .. وكان علينا النوبة ، أنا وصاحبى عباس ، ورجل ثالث ..

وكانت الليلة مظلمة ساكنة الريح ، ففرشنا الزكائب وتمددنا عليها ، وأعيننا تحصى النجوم فى السماء .. وآذاننا إلى كل حس .. وكانت رقعة السماء منبسطة ، والنجوم تتهاوى فى ثلث الليل الثانى كالشهب ، وكان النيل قد فاض .. وأخذت الضفادع تنقنق .. احتفالا بفيضانه .. ! واعتمد رفيقنا الثالث على حزمة من القش ونام ، وبقيت أنا وعباس نتحدث .. وكان بين الفينة والفينة يرفع بصره إلى الطريق .. ثم يضع رأسه على الزكيبة .. وأكثر من هذه الحركة ..

فسألته :
ـ لماذا تدور ببصرك هكذا .. ؟
فقال :
ـ أخاف على الناقة .. »
وكانت باركة .. على مسافة منا ..

فقلت له :
ـ لا تخش شيئا .. بركها هنا .. على مرمى البصر منا ..

فنهض وأخذ بخطام الناقة .. وعينه تتلفت كأنه يبحث عن شىء .. ثم أناخها عن قرب .. وعاد فتمدد ..

وأخذنى النوم ، وصحوت فتفقدت رفيقى فلم أجده بجوارى ..

ودرت فيما حولى .. ولمحت امرأة خارجة من الحقل .. مضت فى الطريق وهى لا تتلفت .. ورفعت وجهى ، وعرفتها .. لقد كانت هى بعينها ، بلحمها ودمها ومشيتها ، ولا أحد يمشى غيرها ، فى غلس الليل ، وليست هناك امرأة تركب الخطار مثلها .. فى سبيل إرضاء رغبتها ..

وسحبت البندقية من تحتى ، كنت فى حالة هياج وخبل .. وكانت الغيرة العمياء قد تملكتنى .. لماذا لا أقتل هذه الحية ، وأريح البشرية من سمها ؟..!

انها قتلتنى ، وستقتل عباس من بعدى .. ثم ترمى حبائلها وشباكها إلى رجل آخر .. وتأخذ من كل رجل كل قوته .. فإذا ضعف أمامها لفظته ، وطرحت به بعيدا .. وكم قتلت من الرجال قبلى ، وكم ستقتل من بعدى ..

وجذبت الأكرة ، وسمعت حركة الرصاصة وهى تستقر فى الماسورة ، وصوبت وسددت ، وبقيت ثانية أرتعش ، ورأيتها تتلفت ، أدارت وجهها... ورأيت عينيها ، بعين الخيال ، تنظران إلىّ فى قوة ..

وهى تقول :
ـ لا أحد .. يستطيع قتلى .. وما من شر يصيبنى من إنسان .. أما أنت فستساق إلى المشنقة بين صفين من الجند .. !

وغامت عيناى .. وسمعت صوت رفيقى الثالث وهو يقول :
ـ ما الذى جرى يا نعمان .. أترى شيئا .. ؟

فأجبته فى صوت يرتعش :
ـ ألمح ظل ثعلب .. وكنت أود أن أصطاده ، ولكن اللّه أراد أن يذهب إلى سبيله .. !

ووضعت البندقية فى مكانها ، بعد أن أخرجت الرصاصة ..

وجاء عباس .. بعد مدة .. وعندما لمحته قادما من بعيد تناومت .. وحدق فى وجهى طويلا ، ثم ارتمى على كوم من القش ونام ، دون حس ولا حركة ، كأنه كان يقطع الأحجار طول النهار فى المحجر .. !

***

انتهت أيام العمل وعدنا نتبطل ونركب الحياة بشبابنا ..
وكان أحد أبناء الأعيان سيتزوج .. ولما كان محبوبا ووحيد أبويه ، فقد عم الفرح كل بيت فى القرية ، وكان الفرح قد بدأ قبل الزفاف بأسبوع بالرقص على الخيل ، ولعب العصا من العصر إلى الغروب ، وبعد العشاء يدور السامر إلى الفجر ..

وأعدوا أرضا منبسطة فى خارج القرية لذلك ، ولما كنت من اللاعبيين بالعصا ، فقد كنت أذهب إلى هناك ، عندما أسمع أول ضرب للطبل ، وأول صوت للمزمار ..

وكنت قد شفيت تمامًا ، ورجعت إلى قوتى ، وتطلعت إلىَّ الأنظار ، فقد كنت أبرع من دار بالعصا فى حلقة ، وكان عباس أيضًا من البارعين فى هذه اللعبة ، ولهذا كان يلاعبنى كثيرًا ، على أن الغلبة كانت لى دائمًا .. وظللت بطل الميدان ، ومحط الأنظار ، وكان سرورى بذلك عظيما ..

وكان السامر يبدأ بعد العشاء ، وتشعل النيران لتحمى بها الدفوف ، ثم يدور الرقص فى ضوء القمر ، وتحت نوره الفضى ، ويزمر الزامرون ، وترقص الراقصات ، والسامر كله يصفق فى مرح وحبور .. وتتثنى الراقصات ، ويدرن فى الحلقة ، يوزعن البسمات على الجالسين ، ويجمعن النقود .. !

***

وجاءوا بناعسة ذات ليلة .. وكانت ترقص مسبلة العينين ، مفتوحة الشفتين ، كأنها فى نوم هادىء تتخلله ألذ الأحلام .. ! وكان جسمها يتلوى ويتثنى ويدور ..

وكان عباس فى الصف الأول من الحلقة ، فكانت تدور إلى أن تحاذيه ، فتقف أمامه ، وتطيل الوقفة ، وهى تميد وتتمايل ، وعلى ثغرها ابتسامة مغرية .. ثم تميل عليه ، وتأخذ منه النقود بفمها ، وتبتعد عنه لتقترب منه ، وتدور فى السامر كله ، وعينها لا تتحول عنه .. وكنت أشاهد هذا بعينين سادرتين .. وكانت تمر أمامى ، ولا تكاد تتوقف ، ولا تكاد تحس بوجودى .. فكان الغيظ يدفعنى إلى أن أحمل على السامر ومن فيه ، وأحطم كل شىء تحطيما ..

وانفض السامر ، ومشيت إلى البيت مخذولا كسير القلب .

***

وابتدأ لعب العصا فى اليوم التالى .. وكان عباس يلاعبنى ، وصورة الأمس لا تزال فى مخيلتى .. كنت أتمثلها وهى تدور به ، وتتثنى حوله ، وتكاد ترتمى بين ذراعيه أمام الناس .. !

دار بالعصا فى الحلقة ، وعيناى لا تفلتانه ، ولوح كل منا بعصاه .. ووضعها على الأرض .. ودار .. ودرت .. وتقدم .. وتقدمت .. وتشابكت العصوان .. وضربنى ضربتين تحت إبطى .. وشعرت بالذلة .. وكان الغضب ، وما حدث فى اليوم السابق قد أعميا باصرتى فلم يكن لعبى إلا لغوا .. وفقدت كل قدرة على التوجيه .. وكنت لا أرى إلا صورة الأمس ..

صورة تلك المرأة الملعونة التى ستذهب بشبابى .. ورأيت ذراعيه تلوحان بالعصا .. ولم تكونا فى نظرى تلوحان بالعصا .. بل كانتا تدوران حول ناعسة .. ولا شىء غير هذا .. !

ودار وضربنى ضربة قوية .. وضج السامر .. فضربته ضربتين ولكنه تلقاهما على عصاه .. فزادنى ذلك غيظًا .. وخرجت عن طوقى .. وكان محتفظًا بحواسه كلها .. وضربنى ضربة أخرى نزلت تحت ابطى .. واحمرت عيناى .. وتراجعت إلى الوراء وضربت بكل قوتى .. ضربة واحدة .. حطت على صدغه .. وسقط .. واستولى الذهول على الناس .. وانقطع صوت المزمار .. !

***

ووضعوا الحديد فى يدى ، وساقونى وحولى نطاق من الجند إلى المركز ..

وسرنا على جسر القرية الطويل ، مع الشمس الغاربة ، فى سكون وصمت .. ولمحت ناعسة عن بعد نازلة إلى الطريق ، وسائرة إلى النيل تتهادى على مهل ، وعلى رأسها جرتها .. كانت تمشى الهوينى كعادتها فى سكون وهدوء ظاهرين ، كأن لم يحدث شىء .. !

إنها المرأة .. إنها الحياة الماضية فى طريقها لا تعبأ بشىء مما يجرى من أحداث ..

================================
نشرت القصة فى مجموعة " الذئاب الجائعة " لمحمود البدوى سنة 1944 وأعيد نشرها فى مجموعة " قصص من الصعيد " من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
================================

الذئاب الجائعة ـ قصة قصيرة

* قصص من الصعيد
مكتبة مصر 2002





الذئاب الجائعة
قصة محمود البدوى



خرجنا فى الهزيع الأخير من الليل نزحف نحو المزرعة كالذئاب الجائعة ، ومع أننا كنا مسلحين بأحسن طراز من البنادق ، فقد كنا نتجنب الحراس ونراوغ كالثعالب ، لأننا نعرف قيمة الدم المهدور فى الصعيد ، ولهذا كنا نتخير الأوقات التى تقفل فيها العيون وتغفو .

كان الظلام على أشده فى تلك الليلة ، وكانت وجهتنا مزرعة عثمان بك ، وهو من الأثرياء الأشحاء .. كان جبارا شديد البطش مرهوب الجانب ، وكانت مزرعته متطرفة عن سائر المزارع ، وعليها أشد الحراس ساعدا وأبرعهم رماية .. ولكنا كنا لانخاف أحدا ولا نرهب انسانا ..

كنا من الفتاك الذين يبطشون فى الأرض ، ويعيثون فيها فسادا ، لايردعنا حلم ، ولا يردنا عقل ، ولا يزجرنا زاجر .. كنا نحمل الحقد والضغينة على المجتمع الإنسانى ، الذى طردنا من كنفه ، وشردنا فى الأرض ، وقطع بنا الأسباب ..

وكانت قسوتنا ، وغلظ أكبادنا ، على قدر ما أصابنا فى مستهل حياتنا ، من ضنك العيش وشظفه ، وبلاء الأيام ومحنتها ..

فكانت الفرائص ترتعد لذكرنا ، والقلوب تنخلع لوقع أقدامنا .. وكنا قد ضربنا بكل شىء عرض الأفق ، وعشنا على السرقة والنهب ، نقطع الطريق على الناس ، ونسطو على المزارع فى غلس الليل وفحمته .. وكنا نشعر بعد كل حادثة بلذة المغامرة التى لاحد لها ..

كانت حظائر الماشية فى شرق المزرعة ، وحظائر الغنم ، وهى مبتغانا وقصدنا ، على رأس الطريق المؤدى إلى الحقول ، وكان حول الغنم سياج يبلغ رأس الرجل .. وله بابان أحدهما يؤدى إلى الطريق الصغير الممتد إلى باقى الحظائر ، والآخر يفضى إلى الحقول .

وكنا قد درنا حول المزرعة فى الليالى السابقة ، وعرفنا كل شىء فيها ، ورأينا أن خير ما نفعله لنتقى كلابها ، هو أن نرسل واحدا منا يناوش كلاب مزرعة مجاورة ، فتخرج إليها كلاب المزرعة التى نقصدها .. وفى تلك الساعة نتقدم نحو الحظيرة ، ونخرج بالغنم إلى بطن الوادى ثم نتجه بها فى طريق غير مألوفة إلى الشرق ، وبذلك ننجو بها ..

وتم كل شىء بمنتهى السرعة .. فبعد دقائق قليلة كنا نسوق الغنم .. وتحولنا بها إلى بطن الوادى ، وأخذت عصينا تعمل فوق ظهورها بحمية .. وكنا نسير خلفها وواحد منا فى مقدمتها ، ونحن صامتون ، وصوت الكلاب فى المزرعة المجاورة يقطع علينا هذا السكون العميق ، ثم فتر نباح الكلاب بالتدريج وانقطع صوتها .. وسكن كل شىء ، وخمد كل حس ، وساورنا الاطمئنان المطلق ..

وتنفسنا الصعداء ونحن نجتاز بالغنم الوادى ، وندور بها حول التل ، والسكون يخيم والصمت شديد ، وصوت الأمواج المتكسرة على شاطىء النيل يصل إلى آذاننا عن بعد كأنه زمجرة الوحوش فى الأجم ، ونيران الفلاحين فى المزارع البعيدة تبدو فى غياهب الليل كألسنة الجحيم ..

ودرنا حول الغنم ونحن نحثها على الاسراع ، وقد ساورنا شعور من اقترب من الهدف فاندفع بأقصى قوته ليستريح فى النهاية ..

وسمعنا فجأة صوت رصاصة مرقت فى الجو .. فحبسنا أنفاسنا ، وصوبنا أبصارنا إلى حيث انطلقت الطلقة .. وقد أخذنا أهبتنا للأمر .. وكانت الكلاب قد عادت تنبح ، ثم انقطع نباحها شيئا فشيئا .. فتصورنا الطلقة من أحد الفلاحين الذين يبيتون فى المزارع ، ويطلقون النار على غير هدى ، فى أخريات الليل ليرهبوا اللصوص .. وعاد إلينا الاطمئنان واستأنفنا السير .. وإذا بنا نسمع طلقات متصلة اهتز لها الجو وزأر وهاجت الكلاب وتفزعت كأنها فى شجار مستعر ..

استدرنا وانبطحنا على وجوهنا وتركنا الغنم مع واحد منا يسوقها بأقصى سرعتها .. وأخذ الرصاص يدمدم ويصوب إلى اتجاهنا ..

لقد تقفوا أثرنا وعرفوا طريقنا ولم يكن من القتال بد ..وزحفنا كما تزحف السلاحف إلى مشرف عال بجانب الطريق .. وأخذنا نرد على طلقات الحراس بطلقات أشد منها ..

وانقلب الجو إلى معركة حامية .. واشتدت علينا المطاردة وكثر طلق النار .. وكأنما خرجت إلينا المزارع بجميع حراسها وأحسسنا بدقة موقفنا .. وأدركنا أننا لو بقينا فى مكاننا فنحن هالكون لامحالة ، فتراجعنا إلى مكان آخر .. ورأينا أن نسرح الغنم ليكف عنا الحراس .. وعهد الرفاق إلىّ وإلى زميلى حسان بهذه المهمة .. فأخذنا نغير اتجاه الغنم ونردها على أعقابها .. وبعد دقائق قليلة كنا ندفع الغنم من حيث جاءت والرصاص يصفر فوق رأسينا .. ورميت رفيقى بحصاة .. ونهضنا معا وجرينا بكل ما وسعنا من السرعة .. وسمعت أنة مفزعة وسقط جسم رفيقى على الأرض ، فأسرعت نحوه وحملته .. وبعد لحظات جاء الرفاق .. وحملناه .. وسرنا به مسرعين قبل أن يفضحنا نور الفجر ..

***

انقطع صوت النار وخف نباح الكلاب ثم سكن وخيم السكون العميق .. وبلغنا بصاحبنا التل .. وكان قد فارق الروح فى الطريق بعد أن تألم كثيرا .. ووضعناه فى الزورق ، وأعملنا الأيدى فى المجاديف ، واتجهنا نحو الغرب ، وقد خيم علينا الصمت ..

ما أعجب الحياة !

لقد انتهت حياة رفيق لنا فى مثل خطف البرق ، وما ذرف أحد منا دمعة ! فقد قست قلوبنا وتحجرت مآقينا .. وهل هو القتيل الأول ؟ .. أبدا .. ولن يكون الأخير .. وسيأتى دورنا ما من ذلك بد ..

وتبادلنا المجاديف ، والرفيق الذى كان يضاحكنا فى المساء ويمازحنا قد رقد هناك فى ركن من الزورق ، صامتا أخرس ..لقد كان صمته أبلغ من نطقنا .. ولقد أطبق فمه وهو فى بكائر أيامه وربيع عمره ، وضرب الضربة البكر ، وهو فى أول عهده بالحياة .. قضى .. لأنه كان أكثرنا حماسة .. وأشدنا بطشا ، ولقد انتهت تلك القوة الجبارة فى ساعة قصيرة مفجعة ، وكنا جميعا نتوقع الموت فى كل ليلة نخرج فيها للسرقة إلا هو ، فقد كان الموت أبعد شىء عن ذهنه .. ولعل الشباب والجبروت وقوة الحيوية هى التى جعلته هكذا .. ولكن ما أعجب الأقدار ! لقد اختطفته هو ، وخلفتنا نحن .. إلى حين ! .

وانحنيت على جسمه أتأمل روعة الموت فى ذلك الوجه الناضر .. فإذا بوجهه قد احتقن وتصلب واغبر ، وبرزت عيناه فى رعب ، وسقط فكه الأسفل ، فعل من عانى أشد برحاء الألم .. وأغمضت عينيه ، وقد أذهلنا الموقف المروع عن فعل ذلك من قبل .

وأخرجناه من الزورق وحمله اثنان منا ، وسار الباقون خلفهما فى صمت كئيب .. وبدا الجبل رهيبا موحشا ، شامخا جبارا .. وسيضم جبارا مثله .. أخذنا نتبادل حمله ، وقد ثقل جسمه وتصلب .. وعلى الرغم من أننا ربطنا الجرح ، كان الدم لايزال يتفصد ، وكانت أرجلنا تغوص فى الرمال ، وعرقنا يختلط بدم القتيل ، ويسيل على وجوهنا وثيابنا .. يا لله .. أى حياة يحياها الأشقياء فى القرية .

تطلعنا إلى الأفق الشرقى وقد بدى بياض الفجر يزحف .. وكنا قد قربنا من المقبرة ، وثار الغبار الدقيق فى وجوهنا وملأ خياشيمنا ، وأخذ الصمت الرهيب يطالعنا من كل جانب ، وكنا نتبادل من قبل بضع كلمات ، ولكن ما لاح شبح المقابر عن بعد ، وهى رابضة عند سفح الجبل ، حتى تملكنا شعور من الرهبة ، ومزيج من الخوف والابتئاس .. فتصبب العرق على وجوهنا .. وأصبح كل شىء حولنا كريها بغيضا .. فأحسسنا فى أعماقنا بشعور من أشرف على الهاوية ، ووقف على رأس الجب وعيناه إلى تنين هائل ..!

لقد كان عذابنا لاحد له ، وقلقنا لايصور ، وشعورنا بالبغضاء يفوق كل وصف .. كنا نود لو نلقى بصاحبنا فى اليم ، ونجعله طعمة الأسماك ، أو نطرحه فى العراء ، لتنقض عليه صقور الجو ، وجوارح الطير .. وأسفنا على كل ما تحملناه فى سبيله حتى بلغنا به الجبل ، حيث المقابر ..

لقد أثارت هذه المسافة الطويلة التى حملناه فيها كل ما يمكن أن يحمله إنسان لإنسان من حقد وكراهية .. فلو اعترضنا فى تلك الساعة الرهيبة معترض لمزقناه إربا ..

كنا نسير فى طريق المقبرة ذاهلين مشدوهين ، وكأننا نحمل جبلا على أعناقنا .. كان شقاؤنا مرا وعذابنا غليظا .. وكان الحسك والشوك وشجر الصبار ينبت على جانبى الطريق .. وكنا ندوسه بأقدامنا ونحن لانحس به من فرط الذهول ..

لقد مرت علىّ فى تلك الساعة الرهيبة صور حياتى من الوقت الذى شببت فيه عن الطوق إلى أن أصبحت من الفتاك الآثمين .. وضمنى هؤلاء الرفقاء إلى زمرتهم .. وسرنا جميعا فى طريق الظلام .. هل كنا سنصبح هكذا ونعيش على هذا النحو لو أنيرت أمامنا السبل ، ورفعت المشاعل وتبينا السبيل ؟ أبدا .. لقد كنا أشد ما نكون حماسة وفتوة ونضارة ، فانتقلنا من الروض إلى بيداء التيه ، بعد أن ضاقت بنا السبل ، ودفعنا المجتمع إلى ركوب هذا الطريق .. فيجب أن نمضى إلى النهاية ..

إن أحدا من الناس لم يفكر فى الساعة الفاصلة فى تاريخ الإنسان .. الساعة الفاصلة فى تاريخ الرجل ، التى قد يكون بعدها ملاكا رحيما أو شيطانا رجيما .. لقد مرت بنا تلك المحنة القاسية كما لم تمر على مخلوق بشرى ، وكنا نتعذب ونقاسى من البرد والجوع والشقاء ، ونحمل من الأعباء ما تنوء بحمله الجبال .. كنا نعمل ونحن صغار فى الحقول ، فلا نحصل فى آخر النهار حتى على ما يمسك الحوباء ، كنا نرتعش من البرد فى ليالى الشتاء ، ونتألم من الجوع .. ولم يكن عملنا منتظما ، بل كنا نعمل يوما ونتبطل خمسة .. وكان كل شىء يعمل على عذابنا وشقائنا ، فلم يكن بد من هذه الطريق !

ولم نكن نشعر فى أول الأمر ، بعد كل حادثة سطو بشعور الرجل الراضى عن عمله وفعله ، بل كنا فى ساعات كثيرة نشعر بالندم ، وعذاب القلق ، إذا ما اسفرت الليلة عن محنة وبانت عن قتيل .. ثم مضت الأيام وجرفنا التيار إلى نهاية المنحدر ، فغلظت قلوبنا .. وماتت ضمائرنا .. وغدونا أشد ضراوة من الوحوش ..

***

كان النور قد شعشع على الكون ، وبدت المقابر المتناثرة على سفح الجبل .. وحلقت الغربان فى الجو .. وتطلعنا إلى قرن الجبل ، ولمحنا عن بعد ذئابا تنحدر عن قمته ، وخيل إلينا أنها ترقبنا عن بعد .. ما أشبهنا بهذه الذئاب .. إنها تسعى الآن لتأكل إنسانا أو حيوانا ، فإذا لم تجد أكلت نفسها ..

رمقنا هذه الذئاب بعيون تتقد غيظا وحنقا .. وكانت تنظر إلينا بمثل نظرتنا .. وتنحدر عن التل لتأخذ علينا الطريق .

بحثنا عن فأس لنحفر لرفيقنا حفرة .. فلم نجد .. وأخذنا نعمل فى التراب بأيدينا وأطراف بنادقنا ، حتى حفرنا له حفرة ، وواريناه .. ونفضنا عن أيدينا الغبار .. وكانت الذئاب لاتزال تنحدر عن التل ، وتتجه نحونا ، أو تتجه نحو المقبرة الجديدة !

وكانت ترقبنا بعيون جائعة !

==============================
نشرت فى مجموعة قصص " الذئاب الجائعة " لمحمود البدوى عام 1944 وأعيد نشرها فى كتاب قصص من الصعيد من تقديم واعداد على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر 2002
===============================

صوت الدم ـ قصة قصيرة

* قصص من الصعيد
مكتبة مصر 2002





صوت الدم
قصة محمود البدوى


كانت الطريق بين مزرعة صالح وقرية « ك » طويلة وموحشة ، وكان بعض الفلاحين العائدين من المزرعة بعد الغروب يتحاشونها ويسيرون فى طرق كثيرة بين المزارع .

على أن الذين كانوا يتروحون بدوابهم ، وهم غالبية الفلاحين ، كانوا يضطرون مجبرين إلىّ اتخاذ الطريق البعيدة لأن أرجل الدواب تفسد الزرع والنبت ، كانوا يمشون فى سكة معبدة بين الحقول ، حتى يبلغوا ترعة الجرف ، فينحدرون إلى قاعها ، ويصعدون منها مستوين على جسر القرية ، ويدورون مع الجسر العتيق البالى حيثما دار ، مجتازين بساتين النخيل والأعناب ، وأشجار السنط حتى يدخلوا القرية مع العشى ، وهم لاهثون مكدودون .. من ثقل البرسيم على ظهورهم ، ومن فرط ما يلاقونه من إعنات البهائم النافرة التى تظل طول الطريق تضرب بحوافرها الأرض وتقطع الجسر فى خطوط حلزونية وهى تخور وتصهل وتهدر فى مرح ونشاط ، لأنها شبعت من خير الأرض ، وشربت من ماء النيل ، واستدفأت بحرارة الشمس ، وقضت النهار كله فى جو بهيج طلق .

وكان الفلاحون الذين يسوقون الدواب من الحقول من فتيان القرية الأشداء الذين ألفوا سير الليل فى الليالى الظلماء ، ومع هذا فقد كان عمدة القرية يهون عليهم وحشة الطريق بإخراج خفيرين من أحسن الخفراء يتطلعان ويعسان على الجسر ، وبعض الأحيان يواصلان السير حتى المزرعة .

وكان من بين الفلاحين الذين يتخذون طريق المزرعة الطويلة الكثير من الغلمان . وكان هؤلاء أسبق أهل المزرعة إلى الرواح . كانوا يبدأون فى حش البرسيم عندما تميل الشمس نحو الأفق ، وتقرب من قرن الجبل ، وترسل أشعتها الصفراء على الحقول ، ويكومونه خارج الحقل ، ثم يضمونه فى حزم صغيرة يربطونها بسيقان الزرع اللين ، ويحلون الدواب من أوتادها ؛ ويضعون على ظهورها الخيش الثقيل ليقيها برد الشتاء ، ويوثقون أفواه البهائم النافرة بكمامات من الليف المحكم الفتل ، ويحملون ظهور الحمير والجمال بالبرسيم، ويرسلونها فى الطريق وهم وراءها يحثونها بالعصى ، ويغنون على وقع حوافرها الغناء الريفى الحزين .. كانت أصواتهم الحلوة ترن فى سكون الغسق ، وتدوى فى جوف الليل ، فيهتز لها الزرع ، ويغنى الطير ، وتنحنى لها أعناق الأبل وتسكن البهائم الهائجة ، ويحمل الهواء الرخى صداها إلى القرية، فترقص لها قلوب الأمهات طربا ، ويرحن يهيئن العشاء من العصيد والفت لأفلاذ أكبادهن القافلين من المزرعة .

وكان الفتيان وهم يدخلون القرية مع العشى لا يحسون ، مع طول الطريق، بتعب ولا نصب ، ولا يشكون من سوء الحال ، ولا يعرفون المصير . كانوا يقطعون الطريق ضاحكين صاخبين ، كانوا دائما يضحكون للزمن ويبتسمون للحياة ؛ ويقضون النهار فى الحقل يلعبون « الطرطقة » والكرة الليف ، ويأكلون الخبز الأسود بالحلبة والجبن ويشربون من لبن الضأن ، ويشعلون فى بكائر الصباح النيران فى أطراف الحقل ، ويجلسون حولها يتحدثون ويتندرون ويفيضون بأعذب الأقاصيص والسير ، ويذكرون لياليهم المقمرة الممتعة ، والزمن رخى ، ووجه الحياة بسام .

وإذا بلغ الفتيان القرية ، وقربوا من شجر السنط القائم فى شماليها انحرف الساكنون منهم فى شرق البلد عن الجسر ، وواصل الذين يقيمون فى أقصى القرية وغربيها سيرهم فى الطريق ، ثم تفرقوا طرائق على رأس الدروب ، وعصيهم تعمل بحمية ونشاط على ظهور الحيوانات الثاغية الراغبة .

وكانت القرية تظل النهار طوله فى صمت ووحشة وسكون ؛ حتى تغرب الشمس ، ويهل عليها الغلمان من الحقول ، فتعود إلى حياتها ونشاطها ومرحها ، فلا تسمع إلا صهيل الجياد وخوار الأبقار ، وهدير الإبل ونباح الكلاب ، وصوت العصى على الدواب الهائجة لتستكين فى مرابطها ، وتستنيم إلى الحظائر الضيقة بعد الحرية المطلقة فى الخلاء .. وبعد صلاة العشاء ، تحلب البهائم ، وتعود القرية إلى سكونها وصمتها .

وقل ما كان يتأخر الفتيان فى المزرعة إلى ما بعد الغروب إلا فى الليالى التى يبكرون فى صباحها إلى المدينة بائعين البرسيم ، ومع هذا فما كانوا يشعرون وهم راجعون فى الطريق بخوف ولا رعب ، ولا يرهبون شيئا من عوادى الليل ، لأن القرية مع وقوعها فى صميم الصعيد ، وبجوار قرى تكثر فيها جرائم القتل والنهب ، آمنة مطمئنة وأهلها وادعون مسالمون .

تأخر الفتى نعمان فى ليلة من الليالى فى المزرعة ، لأنه اشتغل وحده بحش ثلاثة أحمال من البرسيم للسوق ..

وكان غلاما فى السابعة عشرة من عمره ، أسمر فى حمرة حديد البصر مديد القامة ، محبوبا من رفاقه ولداته .. وهو وحيد أبويه ..

رجع نعمان وحده فى سكون الليل إلى القرية ، وتحته أتان مهزولة ؛ وأمامه دابتان قويتان .. بقرة حمراء ، وجاموسة سوداء فتية من خيار الجاموس ، مشهورة فى القرية بلبنها وسمنها ، وما تدره على أصحابها من خير عميم ، وكانت مع طيب عنصرها جافلة نافرة ، فأخذ الغلام رأسها وشد عليه .. وحمل أتانه بالبرسيم ، وساق البقرة أمامه ..

ومشى فى غلس الليل وحده شاعرا بالسكون العميق والظلام الشديد .

ولم يكن من عادة نعمان التخلف عن رفاقه فى المزرعة ، ولهذا شعر فى هذه الليلة ببعض الخوف والذعر ، وكان اليوم على خلاف الأيام غائما مقرورًا كثير السحب ضرير النجم ، خيم ظلامه قبل الأوان ، وضرب العشى بجرانه على الحقول والمزارع ..

وذاب الشفق الأحمر فى سواد فاحم سد عرض الأفق .. وهبت الرياح شديدة قوية فترنح لها الزرع ؛ وحف الشجر القائم على جوانب الطريق ، وكان أرهب ما يخشاه نعمان ، على الرغم من أنه الريفى القح ، مروره بالدواب فى فحمة الليل ووحشته على البساتين ..

فكان يتصور وراء كل نخلة من نخيل البستان لصًا قائما يترصد فكان يرتعد لهذا ويرتجف فوق الأتان ، ويقبض بيده على زمام الجاموسة ، ويحث البقرة على الإسراع فى صوت خافت جازع ..

واشتد الظلام وغرقت القرى فى لجته ، وأصبح نعمان لا يرى أبعد من مواضع حوافر الدواب ، وكان وهو يرفع نظره إلى الأفق ، ويرتد به إلى الحقول المجاورة ، يرى السنة نيران تشب ثم نحبو فى المزارع البعيدة .. وكان لومضها ولمعانها فى جوف الظلام ، منظر مرهوب ؛ ترتعد له الفرائص رعبًا ..

وكانت البقرة لا تسير على جانب واحد من الجسر ، وإنما أخذت تميل إلى اليمين مرة وإلى اليسار أخرى ، وترك نعمان حبلها على غاربها .. مد لها طرف الحبل كلما تياسرت وقربت من النيل .. وأخذ يرقب قلوع المراكب البيضاء ، وهى لبياضها فى سواد وما هنالك نور يتألق ، ثم يسمع بين الفينة والفينة مجاديف الصيادين وهى تجزر بزوارقها عن الشط ..

وسمع نباح كلاب شديد على العدوة الأخرى من النيل ، بدأ فجأة ، واستمر دقائق كاملة ، ثم خيم سكون الرمس ، وبقيت حوافر الدواب وأظلافها تضرب الأرض بقوة وعنف .

وأشرف نعمان على بستان « عمر » وهو نخيل وسنط وأعناب ولبخ يمتد من حافة الجسر ويغوص فى قلب الحقول ، وكان من أكبر بساتين القرية وأغناها بالثمر وأشدها مع ذلك وحشة . لأنه يترك معظم العام من غير حراس ؛ ولا يخفره زمن الأعناب والتمر ، إلا شيخ طاعن من الفلاحين ..

وأطلت على نعمان فروع النخيل ، وهى تميل مع هبات الرياح وكأنها فى عراك دائم مع أشباح الليل .. فوجف قلبه فرقا ، واندفع الدم إلى رأسه ، ولم يستطع رغم رباطة جأشه أن ينزع عن ذهنه المخاوف المفزعة التى ساورته ، وكان خوفه على الدواب أضعاف خوفه على نفسه بل لم يكن خوفه على حياته يستقر فى بؤرة شعوره إلا إذا تصور القتل على أبشع صوره .. الطعن بالسكاكين والتمثيل بالجسم ، وتمزيقه شر ممزق ثم رميه كأحقر أنواع الكلاب فى النيل ..

وصمت كل شىء حوله ، وبدأ الليل فى هوله مفزعا مرهوبا ، وغاصت الحقول والمزارع فى لجج الليل ، وانقطعت ألسنة النيران البعيدة ، وزادت الثورات النفسية تأججا مشوبة بأقصى ضروب المخاوف ..
وتياسرت البقرة على عادتها لما حاذت سور البستان ، ولعلها كانت تخاف رهبته كذلك ومالت إلى النور الضئيل المنبعث من النيل ..

وخيل لنعمان أنه يرى نور سيجارة تومض فى البستان ... ثم سمع صوت انسان ، وزحف أرجل حذرة ، وتقلب بطن كبطون الثعابين .. وتحركت بعده أوراق الشجر وتمايلت الفروع .. على أن هبوب الريح فى تلك الآونة بشدة طردت من رأس نعمان فكرة وجود الإنسان اطلاقا ، وبقى مع هذا خائفا يتوجس ، حتى خلصت أرجل الدواب من سور البستان .. فتنفس الصعداء ، وأصلح حمل البرسيم المعلق على جانبى الاتان ؛ واعتدل على ظهرها وتهيأ للسير السريع ..

وكان مستغرقا فى خواطر لا علاقة لها برهبة المكان مطلقا .. وانحنى الجسر فجأة انحناء شديدًا ، وتمهلت معه الدواب ، وأطل نعمان على جوف الترعة بجانبه ، وكانت قد عمقت وغابت فى أعماق الأرض حتى بدت كالمغاور السحيقة التى يضل فيها انسان العين ..

وتلفت مذعورا على صوت أقدام سريعة دوت فجأة .. وأخذته على غرة ضربة نبوت قوية من أشد السواعد وأقواها ، حطت على صدغه ، وانقلب بعدها عن ظهر الدابة يهوى من حافة الجسر إلى بطن الترعة كالحجر الساقط من قرن الجبل ، مقلبًا ظهر البطن ، حتى استقر فى قاع الترعة فاقد الحراك ..

وجفلت الجاموسة النافرة ، وانطلقت تسابق الريح إلى القرية .. وانطلقت على أثرها رصاصة طاشت عنها ، تبعتها أختها أسد وأحكم ، فأصابت فخذها الأيمن ، ونفذت منه ، وخرجت تئز وتدمدم فى الجو .. وتقطر الدم من فخذ الجاموسة على الجسر وزادتها الرصاصة هياجا وذعرا .

وقامت على صوت الرصاص الكلاب فى المزارع ، وخف على صياح الجاموسة ونواحها الخفراء والأهالى من القرية ، وخرجوا متفرقين فى المزارع كأشباح الليل الهائجة .

***

انقطع عبد الحق والد نعمان عن صلاة الفجر فى مسجد القرية واحتبس فى منزله أياما طوالا .

ولم يكن مع الذين واروا ابنه فى التراب على الرغم من أنه دفن فى ظلام الليل ، كما أنه لم يتلق تعزية واحدة من انسان ، على عادة أهل الصعيد فى أمثال هذه الأحوال ..

وكانت أشق الأشياء على نفسه أن يجر بعد الحادث إلى بيت العمدة ليدلى بمعلوماته إلى المحقق ، وكانت أجوبته على أسئلة هذا موجزة مقتضبة خالية من دلائل الاتهام ، وإن كان ذهنه قد ابتدأ يحصر الجريمة فى أشخاص معينين بالذات ..

فقد ذكر شجارا حدث بينه وبين بعض جيرانه فى الحقل كاد يجر إلى أوخم العواقب ، لولا أن مشى بينهما بعض الناس ، وذكر نزاعا بينه وبين بعض المالكين عند ضم المحصول ، استعملت فيه الهروات ، كما ذكر أن الغلام نفسه تشاحن مع رفقائه أكثر من مرة ، وكان آخر المشاحنات غالبا التهديد والوعيد .

على أن القتل لم يكن للقتل بل كان للسرقة ، قتل الغلام الأعزل لأن اللصوص استضعفوه فى ظلام الليل وارادوا سلبه مواشيه وقد فعلوا ..

أخذت هذه الخواطر المروعة تطوف فى ذهن الأب وصورة الجريمة على بشاعتها ماثلة أمام ذهنه .. ولم يستطع ، رغم أيمانه المطلق بعدل الله ويقينه الجازم برحمة ربه ، أن يتعزى ويتأسى ..

فلقد فقد بهجته فى الحياة ، ومتعته فى هذا الوجود .. حشاشة نفسه .. ولده الوحيد القائم على زراعته ، الحارس لدوابه ، الجانى لمحصوله ، ولده النافع .. ولم يستطع وهو الرجل الحديد الأعصاب ، الشديد الأيد ، القوى القلب ، أن يأخذ بزمام نفسه ويضبط جأشه ، بل كان دمه تحت تأثير الصورة البشعة التى مات عليها ابنه يغلى فى عروقه ، ويمزق أعصابه ، ويطير لبه ..

وكان الحادث مع وقوع مئات الحوادث من أمثاله فى الريف حديث أهل القرية جميعا ، وكان المغرمون منهم بتصيد الأخبار والإضافة إليها من صناعة وجدانهم يزيدون فى وصف الحادث زياده عظيمة ..

وأخذ شيوخ القرية والراسخون منهم فى الإجرام يسترقون السمع ويمدون البصر علهم يهتدون إلى الفاعل ، ولقد كان نعمان أحسن لهم من فلذات أكبادهم وأطوع لهم من أرحامهم .. وخطا بعضهم بعد جهود متواصلة خطوات موفقة وكاد أن يزيح القناع عن وجه الجريمة .. لولا أن عارضا تافهًا اعترض فى ذلك الحين فضيع هذه الجهود سدى .

***

أخذ عبد الحق على مر الأيام يستبشر بالصبر وينزل على حكم القدر فعاد إلى عمله فى المزرعة بنشاط وعزم ، وأضاف على زراعته فدانين من ضعاف الأرض أخذ على نفسه اصلاحهما وتسميدهما ، وكان موسم الزراعة قد حل فى جزيرة القرية وهى على العدوة الأخرى من النيل ، فبكر مع المبكرين فى الذهاب إليها .. بيد أنه كان يتخير فى غدوه ورواحه أوقاتا تختلف عن أوقات الفلاحين .

وكانت أشد الأشياء وقعا على نفسه وأشدها ايلاما لقلبه ، منظر زوجه فى البيت .. فقد انقلب كيان الأم بعد أن مات عنها وحيدها ..

فذبل جسمها وجف ماء شبابها واصفر لونها ، وتخدد وجهها وبرزت محاجر عينيها .. وكانت المسكينة تنزوى سحابة النهار وطول الليل فى ركن مظلم من البيت ، لا تحادث أحدا ، ولا تخاطب زوجها .. وكان هذا يرى فى بريق عينيها كلما واجهته تعبيرا ناطقًا عما فى نفسها ، وتعنيفًا مؤلما على موقفه كرجل .. على أن الرجل لم يكن مقصرًا قط ..

فعلى الرغم من مرور أكثر من أربعة أشهر على هذا الحادث المروع فإنه كان لا ينفك يبحث ويتسقط الأخبار ، ويجمع ما يطير من أفواه الناس ، حتى أعياه الأمر وأضناه ، ففتر عن البحث وترك الأمر للأيام وهى وحدها الكفيلة بإظهار الجانى ..

فليست حوادث القتل من الحوادث التى يمكن أن تضيع معالمها ويختفى أمرها عن الناس جملة مهما كان القاتل أو السارق من الحذروالحيطة وبعد النظر ، وبراعة الذهن والتفنن فى ضروب الاجرام .. وقد يحدث عرضا حادث تافه ، أو يجرى حديث بسيط أو يقع أمر حقير .. فيزاح ستر الجريمة ويظهر أمرها للناس ..

والقرويون بطبيعتهم فيهم الصبر وعندهم الأناة .. فما يتسرعون ولا يركبون متن الشطط ، ولا يسددون السهم إلى غير قلبه .. ولا يصوبون إلا إذا أبصروا هدفا ، وتراهم فى كثير من الأحايين يدعون القاتل يمرح ويلهو حتى ينسى نفسه ؛ وهم فى الوقت عينه يضيقون عليه الدائرة وينصبون حوله الشباك حتى يقع فى الفخ .

***

عاد عبد الحق فى ليلة من الليالى من جزيرة القرية متأخرًا على خلاف عادته .. فلم يجد معدية القرية فى مرساها وانتظرها حتى عيل صبره .. فأخذ يتمشى على شاطىء النيل عله يجد زورقا من زوارق الصيادين ينقله إلى القرية .. وكانت الليلة ظلماء ساكنة الريح موحشة الصمت فتثاقل فى سيره وأرهف حسه .. حتى سمع صوت مجاديف خفيفة فمد قامته وسدد بصره فى حجب الظلام فبصر بسواد يتهادى نحو الشط فلبث قليلا ثم هتف بمن فى الزورق ، فألفاه يجزر عن الشط بعد أن كان يقترب منه ، وهى حركة طبيعية مألوفة من الصيادين .. الصيادين من سكان المدينة على الأخص ، فهم يرهبون الريفيين ويتقون بأسهم ويتحاشون وجودهم ، ويتصورون أنهم بالإجماع لصوص فاتكون ما يخرجون فى رهبة الليل إلا لتصيد الناس .. وما أسهل من أن يغير فاتك قروى على زورق من زوارق هؤلاء الضعفاء المساكين، فيسلبه سمكه وماله ، ثم يلقى بمن فيه فى النيل .. !

وابتسم عبد الحق لما رأى الزورق ينقلب على عقبيه ، ويرتد عن الشط .. ثم سار فى طريقه بعد أن صب اللعنات على من فيه ..

واتجه نحو السد حتى غابت عنه القرية ، وانقطع عنه نباح كلابها .. وكان قد قرر الرواح حتى ولو بلغ السد .. ودار كل هذه الأميال ، لأن تخلفه عن بيته سيبعث الوساوس والشكوك فى نفس زوجته الثكلى ، وربما طير صوابها ..

وسمع على بعد صوتا يشبه صوت أقدام تتخبط فى الماء .. فدلف نحو الصوت حتى اقترب منه.. فوجد صيادا يجر زورقا صغيرا ويغالب به التيار الشديد فسر لمرآه ورأى أن يتسلل خفية ، حابسًا صوت أقدامه ، حتى يقترب منه .. فأخذ يتلصص فى مشيته حتى كان بجانب الرجل ، وبادره بالتحية فرد الصياد ، وفى صوته الرهبة ، وعلى ملامح وجهه الجزع ..

فأخذ عبد الحق يحادثه حتى سكن طائره ، واطمأن قلبه ، ثم رجاه أن يعبر به النيل فقبل ، وأخذ يطوى الحبل وفى حركة يديه دلائل التذمر .

وانطلق بهما الزورق وكان الصياد على عكس الصيادين ـ وهم يلزمون دائما جانب الصمت حتى لا تخيب شباكهم ـ ثرثارا كثير الخلط فى الكلام ..

فأخذ يقص على عبد الحق طرفا من سيره ونوادره ، وحوادثه مع القرويين الذين يتأخرون فى الحقول .. ويطلبون الرواح بعد نصف الليل ، وبطونهم خاوية .. !

واستمر فى ثرثرته الفارغة حتى بلغا منتصف النيل ، وهنا انطلقت رصاصة فى الجو ، وهى تدمدم .. وأزيزها عند آذانهم .

فقال الصياد وهو يشد على مجاديفه :
ـ دائما الرصاص فى القرى .. دائما الرصاص فى الليل .. لو كنت واقفا لقتلت ..

فقال عبد الحق وقد نبشت الرصاصة دفائن شجنه :
ـ عمرك طويل ... !

فقال الصياد ضاحكا ، وقد سره أن وجد ما يسل لسان صاحبه بعد طول احتباس وطول صمت :
ـ أجل .. فعمرى طويل حقا .. لقد مرت رصاصة ذات مرة هنا عند شحمة أذنى .. فأخذت أذنى تطن ساعة .. وكان ابن اللعينة « علام » جالسا فى المؤخرة يضحك .. أجل واللّه كان يضحك والرصاص يصافخ رأسى .. وهو رابض كالليث لا يغير جلسته ولا تغيب الابتسامة عن وجهه .. وكانت عيناه تلمعان كعينى صقر يريد أن ينقض على فريسته ..

وصمت الصياد قليلا ليصلح مجاديفه ثم استطرد :
ـ وجدنى الملعون على الشاطئ .. فقال بلهجة الآمر وفوهة بندقيته عند أنفى .. هيا اعبر بى النيل مسرعا .. هيا .. وكان الشرر يتطاير من عينيه .. ثم سمعت على إثر ذلك الرصاص يدمدم .. فأدركت أنه مطارد فحركت المجاديف وأنا أنتفض من الذعر .. وكان يقول بصوت أجش .. أسرع ولا تتحدث .. وإلا فأنت تعرف مصيرك .. وبالطبع أنا أعرف مصيرى هناك عند سفح الجبل ! .. ولهذا لم أتحدث بما جرى لأحد ولن أتحدث ... !

وانطلق الرجل فى ثرثرته وصاحبه لاه عنه بما يدور فى رأسه من خواطر حتى اقتربا من الشاطىء .. وهنا لمح عبد الحق سوادا يتحرك على بعد .. ثم ومض سيجارة .. فلما كان الزورق على مسافة أمتار من الشاطئ ظهر رجل ضخم الهامة ، بادى الطول ، قد عصب رأسه وأسفل ذقنه بعجار أسمر ، وغطى بندقيته وألواح كتفيه بملحفة لا لون لها .. وكان يتمشى وهو يدخن ، فلما اقترب منه الزورق ، قال موجها كلامه إلى الصائد ، وكان صوته خشنا مرهوبا ؛ كأنه يتردد قبل خروجه من حنجرته فى أعماق بئر ما لها من قرار :
ـ أحمد ..
فأجاب الصائد :
ـ نعم يا علام .. مساء الخير .. من أين .. !
ـ من القرية طبعا .. !
ـ وما الذى تريده فى هذه الساعة من الليل يا أخى .. ؟
ـ أريد الرواح .. هل تتصور أنى سأبات هنا ..
ـ لا طبعا ..
ـ من معك .. ؟
ـ رجل طيب من القرية عم ..

فأتمم عبد الحق كلام الصائد :
ـ عبد الحق ..

فصمت الرجل ولم يقل بعد ذلك شيئا ، ووقف يدخن .. وكان الزورق قد بلغ الشاطئ ، فنزل منه عبد الحق ، وواجه الرجل .. ورأى فى بريق عينيه وملامح وجهه الساكنة الصارمة .. ما ألهب خواطره ولما اقترب عبد الحق منه ضاقت عينا الرجل قليلا ، وتقلصت شفته السفلى بعض الشىء ، وانفرجت أسنانه ، فعل من يهم بالكلام ، ولكنه تراجع وتماسك ، لسانح فى ذهنه ، فابتسم ابتسامة نكراء ..

ومر عليه عبد الحق دون أن يحييه .. ولما نزل الرجل فى الزورق ، وقف يرقبه على بعد حتى غاب عن بصره ، واحتواه النيل .

***

كان الشتاء قد حل والقصب قد نضج واستوى عوده وسمقت فروعه .. وكان عبد الحق فى طريقه إلى القرية ، وقد ترك المعدية ، واتخذ لنفسه طريقا وسطا بين مزارع القصب الكثيرة التى لا يأخذها الطرف كانت آلاف مؤلفة من الأفدنة لثراة أهل البلد وعيونها وهى خير محصول وأجنى ثمر ..

وكان الرجل يمضى فى الطريق وحيدا وهو يشخص ببصره من حين إلى حين إلى النيران البعيدة المشتعلة فى أقصى المزارع ، وكان الليل فى هزيعة الثانى والرياح عاصفة ، والبرد شديد قارس ، وحملت الريح إلى عبد الحق صوت كلاب أخذت تنبح بشدة ، ثم خفت صوتها تدريجيًا ، ثم حمى الصوت واشتد مرة أخرى ، وانقطع بعدها فجأة ..

فوقف فى مكانه ورمى بصره فيما حواليه ، وقد ساورته خواطر الريفى الذى يعرف لهذا النباح المفاجئ فى جوف الليل سببا .. ولم تكذبه فراسته .. فقد أهلت عليه من أقصى الطريق ماشية تساق سراعا ، ما لبث أن تجنب بها سائقوها الطريق المألوف ، وتياسروا بها إلى بطن واد قريب يتجه إلى النيل ..

فوقف عبد الحق هنيهة ، وبصره مستقر على الدواب ثم انخرط فى إثرها بعد أن خاف أن يغيب عن نظره .. وسار فى بطن الوادى ثم كمن فى بعض المغاور التى يحفرها الفلاحون لشواديفهم ، ورقب بعينى نسر .. وبعد لحظات مرت الماشية أمامه.. وكانت كلها أبقار من بينها ثور ضخم هائج ، قد من أنفه ، وأخذ من قرنيه ، وكان على الرغم من الضرب الشديد النازل على ظهره وجنبيه ، لا يغير خطوته ، ولا يحرك جلده ، وانما أخذ يدفع رأسه إلى فوق ، ويرمى ضاربه بنظرات ينخلع لها قلب الشجاع ، وكانت الأبقار كلما تحولت عن طريق الثور وحادت عنه ، ترد على أعقابها لتكون وراءه دائما ..

وتصور عبد الحق أنه يرى بقرته فى هذا القطيع ، رأى بقرة تشابه بقرته ، ولكنها لم تكن غراء مثلها .. نظر إلى هذه البقرة وأمعن فيها البصر وقلبه يزداد وجيبه ، والذكريات المرة تنهش رأسه ..

ثم انقلب بصره عنها واستقر على شىء آخر.. على الرجال الثلاثة الذين كانوا يسرقون الدواب ، وعلى واحد منهم على التعيين ، وكان يمشى فى المؤخرة بعد الماشية بخطوات ويتطلع من حين إلى آخر إلى الخلف .. تذكر أنه رأى هذا الرجل بقامته الفارعة ولفتاته ونظراته الحاده .. كان هو علام بعينه الذى حدثه عنه الصياد ، والذى التقى به عرضًا فى تلك الليلة التى تأخر فيها فى الجزيرة كان علام فى هذه الليلة صارم الملامح .. ولكنه كان خفيف اللفتة قلق النظر ، يتأهب للحوادث ..

ولما قربت الماشية من النيل ، رأى عبد الحق مركبا راسية طاوية قلوعها ، ما لبث أن خرج منها نوتيان عرف أحدهما ، كان هو صاحبه الصياد بعينه..! فنظر عبد الحق إلى هذا الرجل ومرت على شفتيه ابتسامة .. ونزلت الماشية فى المركب دون أن يتبادل الرجال الخمسة كلمة واحدة .. وحدث أن سقطت رجل بقرة من الأبقار بين دسر المركب فتركت كما هى ..

وسارت المركب صوب الجزيرة ، وعاد عبد الحق إلى القرية ..

***

وصل إلى سمع عبد الحق ، بعد ذلك الحادث بأيام ، همس يدور على أفواه الناس .. ذلك أن هذه الحيوانات سرقت فى فحمة الليل ، ثم حبست شهورا فى بعض البساتين ، لا تخرج لمرعى ولا تساق لمسقى .. حتى هدأت عنها الألسنة وغفلت العيون .. وهنا سربت على هذه الصورة فى سواد الليل ورحلت مع قطعان كبيرة إلى جهة نائية .. وعلم أيضا أن بقرة واتانا حبسا فى هذا البستان بعينه .. ثم أخذا فى فجر يوم ولا يعلم أحد إلى أين ذهب بهما.. وإن كان يحتمل ـ لأن السرقة صحبتها جريمة قتل ـ إن البقرة ذبحت .. أما الأتان فألقيت فى النيل ، وكان علام هو الذى سرب الدابتين ..

وعلى ضوء هذا واصل عبد الحق جهوده فعلم بعد بحث مضن استغرق أياما أن اللصوص كانوا فى تلك الليلة الشنعاء سبعة .. وكانوا يقصدون مزرعة لبعض الثراة .. ثم فلتت من أيديهم الفرصة ، بعد أن علموا فى اللحظة الأخيرة أن الخفراء ساهرون وعلى أتم استعداد .. والتقوا وهم مرتدون خائبون بنعمان عن عرض فوجدها علام فرصة ذهبية سانحة .. وحرض رفاقه.. فرفض منهم عربيان أصيلان أن يسرقا غلاما أعزل ، على صورة دنيئة لا يرتكبها إلا الجبناء .. ووافق على نهبه الباقون .. وكمن له علام وأخذه على غرة ..

وعرف عبد الحق بعد ذلك الشىء الكثير عن علام هذا .. وهو أنه مجرم يسكن عزبة .. «ج» .. ويعيش على السرقة والنهب .. فيترصد التجار العائدين من الأسواق ويسلبهم ما لهم ومتاعهم ، ويفر بغنيمته فى الحقول فرار الثعلب ..

وهو مع لصوصيته ، لا يغفل نداء قلبه ، وحاجة جسمه ، فهو يتردد على أرمل من جميلات القرية مات عنها زوجها منذ سنين ، وخلفها وحيده الأهل .. وهى مع جمالها سيئة الخلق عصبية المزاج حادة الطبع .. وكانت فى صباها مطمع أنظار الشبان من الأعيان ثم كبرت وترهل جسمها نوعا ، على ممر الليالى ، فتركها هؤلاء .. وانحط مستواها بعدهم وأصبح لها ولع غريب بالفتيان الأشداء الذين دون العشرين ، وكانت تغريهم وتستحوذ عليهم بكل الوسائل ..

وكان يساعدها على هذه الحياة الماجنة بيتها القائم فى طرف القرية منعزلا عن سائر البيوت ، وحوله بساتين كبيرة من النخيل والأعناب ..

وكانت مع حياتها الماجنة هذه تتحدث دائما عن سمعتها وشرفها، وتكثر من الترحم على زوجها .. المرحوم !

وكان علام يتردد على هذه المرأة فى بعض الليالى المظلمة ، ويرجع إلى عزبته عندما يرسل الفجر أول بصيص من النور ..

***

كانت المعدية الأخيرة ، والنقلة الأخيرة ، من غرب النيل إلى شرقه وكانت غاصة بالفلاحين العائدين من المزارع ، والقافلين من السوق ، والراجعين من المدينة .. كانوا يتحدثون عما شاهدوه فى المدينة وما ابتاعوه من السوق ، وقد نشروا على عواتقهم شيلانهم الزاهية ، وملاحفهم الحمراء الجديدة .. كانوا مبتهجين فرحين ، تطوف فى رؤوسهم ذكريات الصور الجميلة التى مرت عليهم ، وأخذت بألبابهم ..

وكانوا يديرون رؤوسهم من حين إلى حين إلى مؤخرة المركب ، حيث يجلس نفر من أبناء الأثرياء الراجعين من المدرسة ، والعائشين فى المدينة ، كانوا عندهم صورة حلوة للعيش الرغد ، والتمرغ فى النعيم ، والتمتع بمباهج الحياة وملذاتها دون أن يضربوا فأسًا أو يبذلوا جهدا.. كل جهودهم تنحصر فى تقليب صفحات كتاب .. ! وهل فى هذا جهد .. هل جهود سكان المدينة جميعا من هذا الطراز .. إذن ما أحلى العيش فى المدينة ..

كانوا ينظرون إلى هؤلاء الطلاب نظرة إكبار وإجلال ، وهم خير مثال يحتذى ؛ وخير آمر يطاع ، كانوا ينصتون إلى كل كلمة تخرج من أفواههم ، وكل حديث يدور بينهم لعلهم يهتدون إلى نور العلم ، ويخرجون من الظلمات ..

وكان النسوة الجالسات فى ركن منعزل من السفينة يتطلعن إلى هؤلاء الطلاب ، ويملن على بعضهن هامسات باسمات ، وخدودهن الوردية تفيض بماء الحياء ، وعيونهن الناعسة تلمع ببريق أخاذ ..

وكان عبد الحق وعلام من ركاب هذه السفينة أيضًا بيد أنهما لم يكونا متجاورين .. كان كل منهما يحادث رفاقه .

أما صاحب السفينة وقائدها فقد أسند جنبه الأيمن إلى مقبض الدفة ، وطفق يتطلع إلى السماء ويرقب القلع .. ثم عالج أخيرا حبلا قريبا منه ، وشد به على ناصية القلع .. عله يشيل .. ولكن هيهات .. ! فقد كان الهواء معاكسًا والتيار القوى يرد السفينة إلى الخلف أكثر مما يدفعها القلع إلى الأمام .. حتى وقفت المركب فى وسط النيل ، كأنها لا تتحرك ، أو كأنها تتراجع ..

وأخيرا صاح النوتى وهو يحول الدفة :
ـ حسن .. عباس .. هيا يا أولاد إلى المجاديف ...

فنهض إلى المجاديف أربعة من الشبان الأشداء ، ظهر أثر تجديفهم بعد قليل من الزمن ، فقد تقدمت المركب مغالبة التيار ، على أن النوتى لم يقنع بجهود الشبان الأقوياء فأخذ يهيب بهم ويحثهم بقوله :
ـ ما هذا .. ! ما هذا التجديف ..! رحم اللّه أيام الشباب .. كنا نقود أنا وصالح مركبا تحمل خمسمائة أردب ونحمل الأردب من القمح .. كما يحمل حسن حزمة من القش ..

فقال أحد الطلاب يمازح النوتى :
ـ ومع هذا فقد ضربك عبد المقصود وطير أسنانك ..
ـ من قال لك هذا يا بنى .. ؟ .. هل كنت حاضرا .. ؟

صحيح أنه ضربنى ولكنه لم يطير أسنانى .. وقد شكوت هذا الشاب الطائش إلى ربى فانتقم منه شر انتقام ..
ـ عندما يضربنى رجل على فكى الأيمن ، لا أدير له الأيسر ، وإنما أضربه على أم رأسه فأطير فكيه معًا ..

فسأله أحد الفلاحين وهو يضحك :
ـ وإذا ضربتك امرأة .. ؟
ـ أعرف كيف أرضيها .. !
ـ ها .. ها ..

واتجه الفلاحون جميعًا إلى هذا الطالب .. وقد كان كلامه طيب الوقع على نفوسهم .. وإن كانوا لا يتوقعون منه مثل هذا الكلام .

واعترض عليه أحد رفقائه :
ـ كيف تطير فك مخلوق بشرى مثلك .. هذه وحشية وفظاعة .. واجرام .. دع أمره إلى اللّه وهو خير مقتص ..
ـ هذا صحيح .. أنا مسلم بأنى لو ضربت انسانا مثلى على أم رأسه أعد فى نظر الناس ، ونظر الاجتماع وحشًا وفظًا غليظ القلب .. ولكن المرء فى مواقف كثيرة لا يملك أمر أعصابه ، وزمام نفسه .. يعود إلى فطرته ، إلى طبعه البكر قبل أن يهذب ويشذب ، فلا يرده حلم ولا يردعه زاجر .. عندما يضربنى انسان فيطير لى سنة لا أدعه حتى أحطم أنفه .. أفعل هذا دون وعى منى ، ثم بعد ذلك أفكر هل أحسنت صنعا بعمل هذا أم أسأت .. هل فى عملى هذا وحشية وجرم .. أفعل هذا ثم يأتى بعد ذلك دور التفكير ، ودور الندم .. من منكم يستطيع أن يغل يده إلى عنقه عندما يعتدى امرؤ على عزيز لديه .. ابنه .. فلذة كبده ..
ـ هذه أعمال اجرامية تجر إلى الفوضى ..
ـ هذا حق .. ولكنها قد تحدث عكس ما تتصور تماما ، فمتى عرفت أنك متى صفعتنى سأصفعك ، تراجعت وجبنت حتى ولو كنت أشجع الشجعان .. من منكم يجرؤ على صفعى الآن وأنا ألقيه فى النيل .. ! ..

فقال شيخ مهدم :
ـ أنا ..
ونهض .. فضجت المركب بالضحك ..

وكان عبد الحق ينصت إلى هذا الحوار الدائر بين الشبان باهتمام شديد .. والخواطر السابحة فى قرارة ذهنه قد طفرت وعادت تهيمن على شعوره ، ومازال يغالب انفعالات نفسه ، حتى غفل عما يدور حوله واستغرق فى أمر نفسه ، وهو شارد ساهم ..

ولما فتح باب منزله فى غلس الليل كان قد اعتزم أمرا ..

بارح عبد الحق منزله فى ليلة من الليالى وسار صوب المزارع ، وكان يمضى سريعًا وفى جسمه قوة لم يعهدها من قبل ، وكان مستريح الذهن هادىء البال ، قد أزاح عن صدره كل ما كان يثقله ، وصرف عن ذهنه كل ما كان يقلقه ويحيره فى الماضى ، ووجه نفسه إلى أمر واحد تجمعت فيه قوته وحيويته .. ولهذا شعر بدم الشباب يسرى فى الياف جسمه ، وبقوة عظيمة تحمله على المضى فى طريقه ..

وكان يرتدى رداء أسود فوقه عباءة من الصوف الثقيل ، وتحت هذه بندقية من النوع الجيد .. وكانت الليلة حالكة الظلام ، شديدة الريح ، والشتاء فى صميمه ؛ وبرده الحاد يقطع الأنفاس ويحبس الناس فى بيوتهم من الغروب فلا يتخلف من الفلاحين فى الحقول إلا أولئك الذين اتخذوا للشتاء عدته ، فبنوا لأنفسهم عرائش من عيدان الذرة ، وأشعلوا حولهم النيران وجلسوا يصطلون ..

وكان عبد الحق لا يقصد حقلا من الحقول البعيدة التى يتخلف فيها الفلاحون ، وإنما كان يقصد حقلا قريبا من القصب يطوق الجانب الشرقى من القرية ، كان يمر فيه علام كلما عاد من منزل المرأة التى يتردد عليها .. اتقاء للعيون ، ودفعا للشبهات ..

ولما بلغ هذا الحقل مضى قدما فى طريق ضيق بجانبه ، ثم ارتد إلى حيث اختار ودخل بين القصب ، وجلس متمددا يدخن ..

ومضت عليه ساعة .. وعادت بعدها إليه الهواجس التى كانت تبلبل خاطره من قبل ، رجعت إليه خواطر المتردد ..

رجعت إليه الصور التى تمر على المجرم قبل الساعة الفاصلة .. قبل ارتكاب جرمه بلحظات .. والتى يخرج منها وقد قطع بأمر .. وقف وقفة الرجل الحائر عند مفترق الطرق المتشعبة والذى لا يدرى من أين يمضى ويسير ..

عاد إلى إنسانيته ، وإلى طبيعة الخير فيه ، تذكر وتصور لأول مرة فى حياته أنه سيقتل إنسانا ، بشريا مثله من لحمه ودمه .. عربيا من جنسه .. شابا ناضر الأهاب فتى العود أمامه الحياة الطويلة ، وليس شيخًا مثله قد بلغ من العمر أرذله ؛ ومن الحياة منتهاها .. بيد أنه شاب متمرد .. شاب تمرد على الحياة ، وتمرد على الاجتماع ، وخرج على القانون ، وغدا مجرما .. ولكن من الذى دفعه إلى الاجرام ، من الذى رمى به فى هذه الطريق .. ؟ من الذى سلبه نفسه وقلبه وجرده من انسانيته ورجع به إلى وحشيته الأولى وجاهليته الأولى ، من الذى ألقى به إلى التهلكة فأصبح منبوذًا مطرودا ؟ من الذى فعل به كل هذا ؟ ظلام الجهل بلاء الفقر قسوة المجتمع ، هل فى هؤلاء الغلمان المهذبين من أبناء الأعيان الذى رآهم فى المركب منذ أيام متمرد .. ؟ هل فيهم جاهل تقرأ على وجهه دلائل الإجرام كما تقرأ على وجوه هؤلاء الريفيين الذين يتقاتلون على أتفه الأشياء ..

لماذا يقتل الإنسان أخاه الإنسان ..؟ ليأخذ بثأره .. ولماذا يأخذ بثأره ..؟ لماذا يفعل هذا ..؟ لماذا لا يدع الأمر لربه ..؟ وهو خير مقتص .. لماذا يثور هو الآن ويضطرب اضطرابا لم يعهده فى جسمه .. ؟ لماذا يتراجع بعد أن أجمع أمرًا .. لماذا يفكر هكذا .. ؟

لماذا قتل هذا المجرم ابنه .. ابنه الوحيد الحبيب نعمان .. مبتغاه فى هذه الحياة الدنيا ، ضربه ورماه فى جوف الترعة فى هذه الصورة المنكرة .. ؟

وأصبح عبد الحق لا يرى الآن إلا ابنه .. ولم يكن يراه وهو يعمل فى الحقل ، أو وهو راجع من المزرعة ، وإنما رآه وهو ملقى فى بطن الترعة مضروبا كأحقر الكلاب ..

وهاج على هذه الصورة هياج الليث الكاسر .. ومسح العرق ، ورمى طرفه إلى أقصى ما يبصر ..

وسمع حسا فأنصت وسدد بصره ، وانبطح على وجهه ، وألصق البندقية بكتفه الأيمن .. وصوب ماسورتها من بين عيدان القصب ، وكان قد تخير مكانا مناسبا فى بطن الحقل يشرف منه على طريق صاعد قرر أن يأخذ فيه غريمه .. وجذب أكرة البندقية وسمع حركة الرصاصة تندفع إلى الماسورة متهيأة لضغط الزناد .. وكتم أنفاسه وأنصت .. ومرت ساعة رهيبة وعاد كل شىء ساكنا موحشًا ..

وتحركت عيدان القصب ، ورجعت الرياح تعصف ، واشتد البرد واستولى على عبد الحق القلق ، وخاف أن تفلت منه الفرصة .. وسمع فجأة حس إنسان ووضح الصوت وكان يعرف صاحبه ، فتراجع إلى الوراء خطوات وعينه لا تتحول عن الطريق ، وقرب صاحب الصوت .. وكان سقاء القرية يمشى وراء حماره الذى حمله بالقرب حتى انحنى ظهره ، وهو يضربه ضربا موجعا مع أنه ضامر هزيل أعرج .. ولما قرب السقاء من مكمن عبد الحق تلفت .. كأنه يسمع أنفاسا .. ثم مضى وراء حماره وقد حلى له أن يغنى ..

وعاد عبد الحق إلى مكانه الأول ، وقد شعر بعد مرور هذا السقاء بالارتياح الشديد ، وقد انتفت عن رأسه الهواجس التى ساورته أول الأمر ، وهو متردد بين الاقدام والاحجام ؛ وعاوده الحنين إلى الانتقام وأصبح فى الساعة التى تمر على المذهول ، وقد وقفت سلسلة أفكاره جملة ، وغفل عن كل شىء حوله إلا ما انتوى ..

وكانت الرياح كلما توغل الليل تزداد شدة وعصفا ؛ فثارت ثورة النيل ، وهاجت مزارع القصب وتمايلت بساتين النخيل ، وتطايرت فروع الزرع الجافة واغبر الجو واكفهر ، فجمع عبد الحق حواسه كلها فى باصرته ورقب الطريق ..

ولاح على بعد شبح انسان ، ثم رجل فى ثوب داكن وقد غطى رأسه وعنقه .. وكان ثابت الخطوة يمشى على مهل ، ولا يعير باله لما يجرى حوله ، ولما قرب من مكمن عبد الحق تمهل فى سيره جدًا ، وتلفت كالمذعور .. وهنا صوب عبد الحق ونشن وضغط على الزناد .. وبصر به يهوى مع ومض البارود .

***

أخذ عبد الحق سمته إلى المقبرة لأول مرة بعد حادث ابنه ولقيه فى الطريق وهو راجع منها قبل الفجر مجذوب من هؤلاء المجاذيب الذين يترددون على الأذكار فشخص فى وجهه ثم مد له يده وعلى شفتيه إبتسامة بلهاء وقال له :

إنا لله

فانتفض عبد الحق ومد إليه يدًا ترتعش والتقت أعين الرجلين ، وكانت عينا المجذوب تلمعان فى بلاهة وخبث .. أما عينا عبد الحق فقد أخذتا تنطفئان بالتدريج ..

===============================
نشرت القصة فى مجموعة قصص لمحمود البدوى بعنوان " فندق الدانوب " سنة 1941 وأعيد نشرها فى مجموعة " قصص من الصعيد " عام 2002 من اعداد وتقديم على عبد اللطيف و ليلى محمود البدوى ـ مكتبة مصر بالقاهرة
=================================